شرح اللآلئ البهية 46

شرح اللآلئ البهية 46

الدرس في شرح اللآلئ البهية 46، الدرس السادس والأربعون :فيه: (ثم حث الناظم رحمه الله على اتباع هؤلاء الأئمة ... وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في اتباع سبيل السلف

يشرح الشيخ أهمية اتباع سبيل السلف الصالح في العقيدة ويحذر من الابتداع. يُبين أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع هو تقسيم محدث.

مسألة خلود العصاة في النار

يناقش المقطع مسألة عدم خلود العصاة من الموحدين في النار مستدلاً بالأحاديث والآيات. يُظهر أن أهل السنة لا يجزموا بدخول العصاة النار.

أدلة من السنة على عدم الخلود

يتناول المقطع مناقشة أدلة من السنة النبوية تشير إلى أن أهل التوحيد لا يخلدون في النار. يرد على الفرق التي تقول بخلودهم مثل المعتزلة.

ختام الرسالة والتعليق عليها

أنهى المؤلف كتابته وتعليقه على الرسالة معترفًا بالفضل لله فيما أصاب وفيما أخطأ. عبر عن شكره لله وتوجه لاستكمال عمل آخر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم ثم حتى النظر، قال المؤلف -رحمه الله تعالى- المرداوي في كتابه اللآلئ البهية في شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية، قال -رحمه الله تعالى-: ثم حتى الناظم -رحمه الله- على اتباع هؤلاء الأئمة في الأصول والفروع، لما تقدم في البيت قبله، فقال: ومر معنا أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع تقسيم محدث، ما كان يعرفه أهل السنة، وإنما أتى من قبل المعتزلة ومن سلك طريقتهم من أهل الكلام؛ لأجل أن يفضلوا الاستدلال بخبر الواحد، فيفرقوا بين الأصول والفروع، ويريدون بالأصول العقائد، والفروع العمليات، كالعبادات والمعاملات، وهذا باطل، وسبق الكلام عليه. لكن قد يكون بعض أهل السنة يعبر به، مما جرى على ألسنتهم، لا يقصدون ذاك التفريق، وإنما يريدون التنبيه إلى أن باب الدين يشمل العقائد والعمليات، أي الأمور العملية من عبادات ومعاملات، ولكن لا شك أن الأكمل والأفضل ترك هذا التعبير، والتعبير بما جرى في ألسنة أئمة أهل السنة ممن سبقوا هذا التقسيم. وهكذا كذلك مما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، بلفظها ومعناها، قال -رحمه الله تعالى-: فقال: فإن اتبعت سبيلهم فموفقون، وإن ابتدعت فما عليك معولون. قال: فإن اتبعت -أيها المتبع- سبيل من سبقك من الأئمة أهل الحديث والأثر، سبيلهم -أي القويم- ومنهجهم المستقيم، والسبيل هو الطريق الواضح، وهي المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك، لحديث: «تردتكم على المحجة البيضاء»، إلى آخره، وهو واحد من غايات حديث العرباض بن سارية، وجاء معناه عن غيره. قال: والمعنى: فإن اتبعت -أيها المعتقد- لطريق، سبيل هؤلاء الأئمة، وقلنا: إن المؤلف -رحمه الله- الناظم مثل بهؤلاء الأئمة، ليس للحصر، ولكن لذكر المثال، ولأنهم أشهر الأئمة، فذكرهم يكون فيه إلماح إلى غيرهم. قال: واقتفيت أثرهم، فاعتقدت ما اعتقدوه، وأسست قواعد مذهبك على ما حرروه وقرروه، فأنت بذلك الاتباع على منهاج السنة النبوية متمسكا بالعقيدة السلفية المحمودة المرضية، فأنت تستأنس بأقوال هؤلاء الأئمة، وإلا فالأصل: العقيدة هي من الكتاب، ومن السنة، ومن كلام سلف الأمة، وإلا فلا شك أنه قد يكون عند بعض الأئمة شيء مما خالف مذهب السلف، فإن كان كذلك، فالواجب اتباع ما علم من عقيدة السلف. قال -رحمه الله تعالى-: فأنت بذلك الاتباع على منهاج السنة النبوية متمسكا بالعقيدة السلفية المحمودة المرضية، وموفق، أو موفق للاكتداء بالكتاب والسنة، وما أجمع عليه سلف الأمة. وإن أبيت الاتباع، فابتدعت -يعني إن تركت اتباع هؤلاء الأئمة، وما تابعوا فيه من سبقهم من السلف- فأنت على طريقة خطرة؛ إذ أنك وقعت في البدعة. قال: فأولت الاستواء بالاستيلاء، والنزول بنزول أمره ورحمته، ونحو ذلك، وجعلت كلام الله عبارة أو حكاية عنه، وأولت صفة اليدين بالنعمة، ونحو ذلك من صفاته المقدسة، ولم تسلك سبيل الإقرار والإمرار، وفرقت بذلك إجماع السلف الصالح الأخيار، ونبذت الكتاب والسنة والآثار، ورغبت بجهلك -يعني زهدت- عن عقيدة السلف، ورضيت بما زخرفه لك الخلف، فما عليك بذلك معول. قال: قال -يعني بما اعتقدته- لأنك أبيت الاتباع، ودنت بالابتداع، وخرجت عن الإجماع، ورضيت لنفسك بالمراء والجدال والنزاع، فنودي عليك بالمكابرة والابتداع. إذن الواجب سلوك سبيل السلف الصالح، ومن سار على سيرهم من الأئمة، ومن هؤلاء الأئمة من ذكر، وهذه أمثلة مثل بها الشارح -رحمه الله- يكون بها الابتداع، تأويل الاستواء بالاستيلاء، والنزول بالأمر، والكلام بالعبارة والحكاية، وكل هذا مر الكلام عليه، وهكذا صفة اليدين بالنعمة. قال: فائدة: روى أبو داود بإسناده عن أنس، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ثلاث من أصل الإيمان: الكف عن من قال: لا إله إلا الله، لا نكفره بذنبه، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله تعالى إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالقدر». والحديث -كما أشار المعلق- ضعيف، وإن كان معناه صحيح. قال: تنبيه: قال الإمام النووي -رحمه الله- بشرح مسلم، على قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بما جئت به»، فيه بيان ما اختصر في الروايات الأخرى، من الاكتفاء بقوله: «لا إله إلا الله»، وفيه دلالة ظاهرة لمداهب المحققين والجماهير من السلف والخلف: أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادا جازما لا تردد فيه، كفاه ذلك، وهو مؤمن من الموحدين، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله تعالى بها، خلافا لمن أوجب ذلك، وجعله شرطا بكونه من أهل القبلة، وزعم أنه لا يكون له حكم المسلمين إلا إذا تعلمها. وهو يشير بالحديث الذي تقدم، وبهذا التنبيه إلى أن بعض أهل البدع يكفر أهل السنة، ويخرجهم من دائرة الإسلام؛ لكونهم ما عرفوا ولا دخلوا في دين الإسلام -على زعمهم- بما أوجبت عقولهم الفاسدة الكاسدة من معرفة أدلة المتكلمين. فعندهم أن أول واجب على المكلف -كما سبق- ليس هو توحيد الله سبحانه وتعالى، بل عندهم أنه النظر والتفكر أول واجب على المكلف، وهذا باطل، ترده أدلة الكتاب والسنة، فالله -جل وعلا- يقول: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، ويقول نبينا -عليه الصلاة والسلام- وفي حديث عبد الله بن عمر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله». وهذا شرح أنه -يرحمه الله- قال: وفيه دلالة ظاهرة لمداهب المحققين والجماهير من السلف والخلف: أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادا جازما لا تردد فيه، كفاه ذلك، وهو مؤمن من الموحدين، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله تعالى بها، خلافا لمن أوجب ذلك، وجعله شرطا في كونه من أهل القبلة -يعني لا يكون مسلما إلا بهذا الشرط الباطل- قال: وزعم أنه لا يكون له حكم المسلمين إلا إذا تعلمها. قال: وهذا المذهب قول كثير من المعتزلة، وبعض المتكلمين، وهو خطأ، وهو خطأ ظاهر؛ فإن المراد التصديق الجازم، وقد حصل، كما سيأتي، المقصود هو حصول الشهادة لله ولرسوله، والشهادة -كما مرت- معنى هي الإيمان مع اليقين. قال: ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- اكتفى بالتصديق بما جاء به، ولم يشترط المعرفة بالدليل، وقد تظاهرت أحاديث في الصحيح، يحصل بمجموعها التواتر بأصلها، والعلم القاطع القطعي -يعني على هذا الأصل الذي ذكره النووي -رحمه الله- وغيره ممن سبقه من أهل العلم- قال: وقد تقدم ذكر هذه القاعدة في أولا كتاب الإيمان، انتهى -يعني كلام النووي منقول بحروفه- كما أشار عندكم إلى المرجع في التعليق. قال الشيخ العلامة مرعي بن يوسف الحنبلي في كتابه المسمى بالبهجة: المسألة الثالثة في عدم خلود العصاة من الموحدين في النار، وإن ماتوا من غير توبة، وذلك مذهب أهل السنة والجماعة، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، ونفس الإيمان عمل خير، لا يمكن أن يرى جزاؤه قبل دخول النار، ثم يدخل النار؛ لأنه باطل بالإجماع، فتعين الخروج من النار. قال التفتازاني: وهذه العبارة تحتاج إلى تنبيه؛ وذلك أنها أولا: ليس كل من استوجب دخول النار لابد أن يدخل النار، بل هو يستحق دخول النار، ولكنه تحت المشيئة، إن شاء الله عز وجل، أعفى له، وإن شاء أدخله النار، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة. فهذه العبارة إما فيها سقط، وإما أنها فيها لبس، تحتاج إلى إضاءة، الحاصل: ننتبه لهذا المعنى، والسعد التفتازاني هو من الأشاعرة، وليس من أهل السنة، وإن كان بعضهم يسمي الأشاعرة أهل السنة، وهو خطأ وقصور؛ فإنهم ليسوا من أهل السنة، وكتابه «المواقف» يدل على ذلك. قالوا: لحديث الصحيحة الآتية، المصرحة بعدم خلود أهل التوحيد. قال السعد: وذهبت المعتزلة إلى أن من دخل النار فهو خالد فيها؛ لأنه إما كافر، أو صاحب كبيرة مات بلا توبة. إذن: بل المعصوم، والتائب، وصاحب الصغيرة إذا اجتنب الكبائر ليسوا من أهل النار، وصاحب الكبيرة بلا توبة مخلد في النار، وهو مذهب باطل -يعني هذا مذهب المعتزلة- معارض بالنصوص الدالة على عدم الخلود. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾، فالجنة إنما هي محرمة على المشرك، ومساواة غير المشرك بالمشرك غلط ظاهر. بل قصر -رحمه الله تعالى- لماذا؟ لأننا لا نقول: إن صاحب الكبيرة لا يخلد في النار فحسب، بل لا نجزم بدخوله في النار، ننتبه لهذا؛ فنحن لا نقول: إنه لا يخلد في النار فقط، بل نحن نقول: إننا لا نجزم بدخوله في النار؛ لأنه تحت المشيئة. قال الله سبحانه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وفي الحديث: قال الله عز وجل: «من هذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟ فقد غفرت له، وأدخلته الجنة». وفي حديث صاحب البطاقة -كذلك- عديد عبد الله بن عمر، فالرجل الذي أتي بصحائف عظيمة من السيئات، فأخرجت له بطاقة، فطاشت تلك الصحائف، فأدخل الجنة. قال -رحمه الله-: أخرج الشيخان عن عتبان بن مالك الأنصاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله». وأخرج الشيخان، ووجه الشاهد منه: «حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله». وهذا التحريم على معنيين: إما تحريم كل من أتى بلا إله إلا الله كاملة؛ فإنه تحرم عليه النار، لا يدخلها أبدا، وإما تحريم الخلود في النار؛ وذلك لمن أتى بلا إله إلا الله ناقصة؛ فإنه قد يدخل النار، ولا نجزم، ولكنه وإن دخل يخرج منها. قال: وأخرج الشيخان عن أبي ذر، قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة». قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق». قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق». قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق، على رغم أنف أبي ذر». قال: «وإن رغم أنف المعتزلة» -يعني يقول السعد التفتازاني- قال: وأخرج أحمد والبزار والطبراني مثله من حديث أبي الدرداء، وآخره: «وإن رغم أنف أبي الدرداء»، وهذا كذلك حديث حسن -كما أشار إليه في التعليق- أن الشيخ الألباني -رحمه الله- حسن، فهو حديث حسن بمجموع طرقه، ويشهد له الحديث الذي قبله وبعده. قال: وأخرج مسلم عن عبادة بن الصامت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، حرمه الله على النار»، وهذا ظاهر، ووجه الدلالة منه قوله: «حرمه الله على النار»، وفيه التفصيل الذي سبق في حديث عتبان. قال: وأخرج عن معاذ بن جبل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، إلا حرمه الله على النار». قلت: يا رسول الله! ألا أخبر الناس فيستبشروا؟ قال: «لا؛ إذن يتكلوا»، فأخفي بها معاذ عند موته، تأثما -يعني خشية الإثم من كتمان العلم- ولكنه أخبرها لمن ظن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يأذن بإخباره بمثل هذا الخبر، فهو يخبر بها أهل العلم الذين لا يتكلوا، وأما من يغلب جانب الرجاء؛ فإنه لا يخبر بمثل هذا الحديث -كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: قلت: يا رسول الله! ألا أخبر الناس فيستبشروا؟ قال: «لا؛ إذن يتكلوا». فالعصاة إذا أخبروا بمثل هذه الأحاديث، تعلقوا بها، وفي هذا مع ما أراد الاستدلال به -رحمه الله- أهمية تنزيل الكلام منزل الانتفاع؛ فليس الشأن كل الشأن أن تبلغ العلم، ولكن الشأن كل الشأن أن تبلغ العلم على الوجه الذي يحسن العمل به. ولهذا بوّب البخاري -رحمه الله- على هذا الحديث بابا، فقال: «باب من كتم شيئا من العلم على بعض الناس خشية ألا يفهموه أو لا يدركوه»، هذا معنى تبويبه -رحمه الله- ثم ذكر أثر علي -رضي الله عنه-: «ما أنت بحدث الناس بما يعرفون، تحبون أن يكذب الله ورسوله؟». ووجه الشاهد منه قال: قوله: «إلا حرمه الله على النار»، وفي هذا دليل على أن أهل التوحيد لا يخلدون في النار -كما أراد المؤلف -رحمه الله- قال: وأخرج أيضا -وفيه المعنى الذي تقدم- أن أهل التوحيد إذا صدقوا وخلصوا بتوحيدهم؛ فإنهم لا يدخلون النار. قال: وأخرج أيضا عن ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد كان في قلبه مثقال حبة من كبر». والحديث ما أشار في صحيح مسلم؛ لأنه قال قبل: «وأخرج مسلم عن عبادة»، وأخرج عن معاذ، وأخرج أيضا عن ابن مسعود، وحديث معاذ في الصحيحين، ووجه الشاهد منه قوله: «لا يدخل النار أحد»، ومعنى «لا يخلد فيها»، ويحمل عليه الأحاديث الأخرى؛ فإن الشفاعة تكون لمن دخل في النار، ويخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، وهذا يؤيد احتمال التفسيرين في الأحاديث المتقدمة -أي التفسير بعدم الدخول مطلقا، أو عدم الخلود- قال: وأخرج أيضا عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة». ومعنى أنه وإن وقعت منه معاصي؛ فإنما آله إلى دخول الجنة، فهم لا يخلدون في النار -أي أهل التوحيد- وهذه أهل السنة، بل كما سبق: لا نجزم بدخولهم في النار، هم تحت المشيئة. قال: وأخرج أيضا عن جابر، قال: أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل، فقال: يا رسول الله! ما الموجبتان؟ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار». والحديث في مسلم -كما ذكر- ووجه الشاهد: أن من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة -أي مآله إلى الجنة- فهو وإن دخل النار لا يخلد في النار، وهو تحت المشيئة. قال: وأخرج الحاكم عن عمر، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد من قلبه فيموت على ذلك إلا حرمه الله على النار: لا إله إلا الله». والحديث فيه ضعف -كما أشار المعلق -رحمه الله تعالى- فأشار إلى الانقطاع الذي فيه، وإن كان معناه صحيحا، فمن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة. قال: وأخرج الشيخان عن عثمان بن عفان عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة»، وسبق الحديث، ووجه الشاهد: أن من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة، وفيه المعنيين المتقدمين: إما أنه لا يدخل النار لاستيفائه لمعنى لا إله إلا الله، وإما أن مآله إلى الجنة، وإن كان يستحق النار، قد يدخلها، وقد لا يدخلها، وإن دخلها فإنه لا يخلد فيها. قال الحافظ السيوطي: والأحاديث في ذلك زائدة على حد التواتر -يعني أنها كثيرة- التي تدل على هذا المعنى. قال: وأخرج الترمذي، وحسنه الحاكم، وصححه عن أنس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يقول الله تعالى: أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام». والحديث ضعيف -كما أشار بالتعليق- ونقل عن الشيخ الألباني تضعيفه. قال: وهذا آخر ما تيسر جمعه، ووجه الشاهد من هذه الأحاديث -كما سبق الإشارة إليه- أن أهل التوحيد لا يدخلون، لا يخلدون في النار، وإن دخلوا، وفي هذا إشارة إلى رده على المعتزلة، وتضمن ذلك رده على المتكلمين الذين زعموا أن من لم يخف فيما خاضوا فيه فهو ليس من أهل القبلة، وهذا باطل. فإذا كان هذا الخلاف مع المعتزلة والوعيدية -كالخوارج- ومن وافقهم -كالأباضية- ونحوهم، فكيف بما هو دون ذلك؟ كقول المتكلمين: القول الباطل: أن من لم يسلك مسلكهم فهو ليس من أهل الإسلام؟ عانا الله من هذا الباطل. قال: وهذا آخر ما تيسر جمعه، فنسأل الله العظيم أن يعم نفعه، ونسأل الله العظيم باسمه العظيم، وبإجابة نبيه الكريم، وقوله: «وبإجابة نبيه الكريم» -كما علق الشيخ علي الحمد الصالح -رحمه الله- أن هذا من التوسل المبتدع. قال: هذا وأمثاله من التوسل المبتدع، والله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقال: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي: بالأعمال المأذون بها شرعا، والعبادات التوقيفية. فالتوسل بالجاه من التوسل المبتدع، فالتوسل المشروع هو: بأسماء الله وصفاته، وهكذا بالأعمال الصالحة، وبدعاء الرجل الصالح -مع ما في هذا من الغلو المنهي عنه- ومن معنى الشرك الأصغر؛ فإن التوسل بجاه النبي -عليه الصلاة والسلام- ذريعة للشرك الأكبر، ذريعة إلى الشرك الأكبر، فهو من الشرك الأصغر، مع أنه قد يكون شركا أكبر إذا كان يتلفظ بشيء يعتقد خلافه. فلو ظن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بذاته ينفع ويضر، فهذا شرك أكبر، ولو تلفظ بلفظ الشرك الأصغر، فلو قال مثلا: أنه له عند الله جاه، وأن الدعاء هو من الله، ولكن في قلبه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ينفع ويضر، وبذلك الدعاء -وهو الدعاء بالجاه والتوسل به- يحصل هذا الانتفاع، فهذا الشرك الأكبر، وكثير من الناس عندهم هذا المفهوم، ولو تلفظ بلفظ ليس فيه الشرك الأكبر، لكن عقيدتهم على معنى الشرك الأكبر، والله المستعان. فالحاصل: الصواب يترك هذا التعبير واللفظ؛ لأنه من التعبير المحدث المبتدع، وهو من ذريعة الشرك ووسائله، فهو من الشرك الأصغر على أقل أحواله. قال -رحمه الله-: أن يسلك بنا صراطه المستقيم، وأن يغفر لنا ولوالدينا ومشايخنا، ولكافة المسلمين. والصواب: أن كافة لا تستعمل مجرورة، قال: ولكافة المسلمين، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم. والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وله الحمد على كل حال، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه أجمعين. قال مؤلفه -سامحه الله تعالى-: فرغت من جمعه وتعليقه، ليلة الثلاثاء، نهار 23 من جمادى الأول، سنة 1263 من الهجرة النبوية، على من هو أفضل الصلاة والسلام. وصلى الله على سيدنا محمد، وصحبه، وبهذا نكون قد انتهينا من هذه الرسالة، مع هذا التعليق الذي يسر الله به. وما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني، ومن الشيطان، واستغفر الله العظيم، والحمد لله رب العالمين. وإن شاء الله غدا نبتدئ بإكمال ما ابتدأنا به من رسالة الصنعاني -رحمه الله تعالى- في تطهير الاعتقاد، والله تعالى أعلم.