الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 15، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
بعث النبي صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك مصر يدعوه إلى الإسلام. أكرم المقوقس رسول النبي وأهدى له جاريتين وبغلة لكنه لم يسلم.
المقوقس عرف صفات النبي من أهل الكتاب لكنه لم يؤمن بسبب ظنه بملكه. أجرى حوارا مع مبعوث النبي واستفسر عن دعوته وأتباعه.
ذكر المؤلف آثارا تشهد بأن النبي محمدا مبعوث للناس كافة. بعض النصارى كانوا على علم ببعثته وأنه النبي الموعود به في الإنجيل.
النبي استدل برسالة المقوقس على أن رسالته عامة لجميع الناس. القوم كانوا على علم بمرسلها وبصفاته كما دلت على ذلك أدلة الكتاب والسنة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح": قال فصل وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسولا أيضا إلى ملك مصر المقوقس، ملك النصارى في ذلك الوقت في الإسكندرية، وكان رسوله إليه حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه. قال حاطب: قدمت على المقوقس، واسمه جريح بن مينا، بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل: جريح، وقيل: جريح بن مينا، وجريح في اسم النصارى أشهر. قال حاطب: قدمت على المقوقس واسمه جريح بن مينا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك ولا تعتبر به. قال: هاتي. قال: قلت: إن لك ذمة لن تدعه إلا لما هو خير منه، وهو الإسلام الكافي بعدما سواه. إن هذا النبي دعا الناس إلى الله، وكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى. ولعمري، ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد. وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل. وكل من أدرك نبيا فهو من أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه. فأنت ممن أدرك هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكننا نأمرك به. ثم ناوله كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قرأه، قال: خيرا، قد نظرت في هذا، فوجدته لا يأمر بشيء فيه ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آلة النبوة. ثم جعل الكتاب في حق من عاج، وختم عليه، ودفعه إلى خازنه. وكتب جوابه إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد علمت أن نبيا قد بقي، وقد أكرمت رسولك. وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم جاريتين، وبغلة تسمى الدلدل، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم هدية، واصطفى الجارية الواحدة، واسمها ماريا القرطية، لنفسه، فولدت منه إبراهيم، وأعطى الأخرى لحسان بن ثابت، فولدت منه عبد الرحمن، وعاشت البغلة إلى زمن معاوية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ظن الخبيث، ظن الخبيث، ظن الخبيث بملكه، ولا بقاء لملكه". قال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس القبطي صاحب الإسكندرية، وكتب إليه معه كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام. فلما قرأ الكتاب، قال له: خيرا، وأخذ الكتاب، وكان مختوما، فجعله في حق من عاج، وختم عليه، ودفعه إلى خازنه. وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم جواب كتابه، ولم يسلم. وأهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما تقدم ذكره. فكل من الملكين عظم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتواضع له، ولكتابه، واعترف بأنه الرسول المنتظر الذي بشرت به الأنبياء عليه السلام. وقد كان المقوقس يعرف أنه حق، بما يسمع من صفاته من أهل الكتاب، ولكن ظن بملكه، ولم يؤمن. قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني محمد بن سعد التقفي، وعبد الرحمن بن عبد العزيز، وعبد الملك بن عيسى، وعبد الرحمن بن عبد الرحمن، وعبد الله بن عبد الرحمن، ومحمد بن عقيل بن عكبة، عن أبيه، وغيرهم، كل قد حدثني من هذا الحديث بطائفة منه. قال المغيرة بن شعبة: في توجهه إلى المقوقس مع بني مالك، وأنهم لما دخلوا على المقوقس، قال: كيف خلصتم إلي من طائفتكم، ومحمد وأصحابه بين وبينكم؟ قالوا: لصقنا بالبحر، وقد خفناه على ذلك. قال: فكيف صنعتم فيما دعاكم إليه؟ قالوا: ما تبعه منا إلا رجل واحد. قال: ولم ذلك؟ قالوا: جاءنا بدين مجدد، لا تدين به الآباء، ولا يدين به الملك، ونحن على ما كان عليه آباؤنا. قال: فكيف صنع قومه؟ قالوا: تبعه أحداثهم، وغلمانهم، من خلفه من قومه، وغيرهم من العرب، في مواطن، مرة تكون عليهم الدائرة، ومرة تكون له. قال: ألا تخبروني إلى ماذا يدعو؟ قالوا: يدعو إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له، ونخلع ما كان يعبد الآباء، ويدعو إلى الصلاة والزكاة. قال: وما الصلاة والزكاة؟ ألها وقت يعرف، وعدد تنتهي إليه؟ قالوا: يصلون في اليوم والليلة خمس صلوات، كلها لمواقيت، وعدد قد سموه له، ويؤدون من كل مال بلغ عشرين مثقالا نصف مثقال. وأخبروه بصدقة الأموال كلها. قال: فرأيتم إذا أخذها أين يضعها؟ قالوا: يردها على فقرائهم، ويأمر بصلة الرحم، ووفاء العهد، وتحريم الزنا والخمر، ولا يأكل مما ذبح لغير الله. فقال المقوقس: هذا نبي مرسل إلى الناس، ولو أصاب القبط والروم، اتبعوه. وقد أمرهم لذلك عيسى بن مريم، وهذا الذي تصفون منه معتاد به الأنبياء من قبله، وستكون له العاقبة، حتى لا ينازعه أحد، ويظهر دينه إلى منتهى الخف والحافر، ومنقطع البحور. ويوشك قومه أن يدافعوه بالراح. قالوا: فلو دخل الناس كلهم معه، ما دخلنا. قال المغيرة: فأغضى المقوقس رأسه، وقال: أنتم في اللعب. ثم قال: كيف نسبه في قومه؟ قلنا: هو أوسطهم نسبا. قال: كذلك الأنبياء تبعث بنسب قومها. ثم قال: فكيف حديثه؟ قلنا: ما يسمى إلا الأمين من صدقه. قال: انظروا في أمركم، أترونه يصدق فيما بينكم وبينه، ويكذب على الله؟ قال: فمن تبعه؟ قلنا: الأحداث. قال: هم والمسيح أتباع الأنبياء قبله. قال: فما فعلت يهود يثرب؟ فهم أهل التوراة. قلنا: خالفوه، فأوقع بهم، فقتلهم، وسباهم، وتفرقوا في كل وجه. قال: هم قوم حسدوا. أما إنهم يعرفون من أمره مثل ما نعرف. قال المغيرة: فقمنا من عنده، وقد سمعنا كلاما ذللنا لمحمد صلى الله عليه وسلم، وخضعنا له. وقلنا: ملوك العجم يصدقونه، وملوك العجم يخافونه في قعر أرحامهم منه، ونحن أغرباؤه وجيرانه، ولم ندخل معه، وقد جاءنا داعيا إلى منازلنا. قال المغيرة: فرجعت إلى منزلنا، فأقمت بالإسكندرية، لا أدع كنيسة إلا دخلتها، وسألت أساقفتها، وسألت أساقفتها من قبطها ورومها، عما يجدون من صفة محمد صلى الله عليه وسلم. وكان أسقف من القبط هو رأس كنيسة يوحن، كانوا يأتونه بمرضاهم، فيدعون لهم. لم أر قط أشد اجتهادا منه. فأتيته، فقلت: ألبقي أحد من الأنبياء؟ قال: نعم، هو آخر الأنبياء، ليس بينه وبين عيسى بن مريم أحد، وهو نبي مرسل. وقد أمرنا عيسى باتباعه، وهو النبي الأمي العربي، اسمه أحمد، ليس بالطويل، ولا بالقصير، في عينيه حمرة، وليس بالأبيض، ولا بالآدم، يعفي شعره، ويلبس ما غلظ من الثياب، ويجتزئ بما لقي من الطعام. سيفه على عاتقه، ولا يبالي من لاقى، يباشر القتال بنفسه، ومعه أصحابه، وأصحابه يفتتون بأنفسهم، هم له أشد حبا من أولادهم وأبائهم. يخرج من أرض حرم، ويأتي إلى حرم، يهاجر إلى أرض سباخ ونخل، يدين بدين إبراهيم عليه السلام. قال المغيرة: فقلت له: زدني في صفته. قال: يأتزر على وسطه، ويغسل أطرافه، ويخص بما لا تختص به الأنبياء قبله. كان النبي يبعث إلى قومه، ويبعثه إلى الناس كافة، وجعلت له الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدركته الصلاة، تيمما وصلى. ومن كان قبله مشددا عليهم، لا يصلون إلا في الكنائس والبيع. قال المغيرة بن شعبة: فوعيت ذلك كله من قوله، وقول غيره، وما سمعت من ذلك. فذكر الواقدي حديثا طويلا في رجوعه وإسلامه، وما أخبر به من صفات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكان ذلك يعجب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويحب أن يسمعه أصحابه. قال المغيرة: فقدنت وحدثهم بذلك. وهذا أمر معروف عند علماء أهل الكتاب وعظمائهم. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآثار الثلاثة ليستدل بها رحمه الله على أن أولا النبي صلى الله عليه وسلم دعا بعض النصارى إلى الإسلام في زمانه. وفي هذا رد على الشبه السابقة من أن نبينا عليه الصلاة والسلام بعث إلى العرب الخاصة. وثانيا فيه كذلك تأكيد من بعض النصارى، ومنهم مقوقس مصر، صاحب الإسكندرية، واعتراف منه ومن حوله من النصارى، من أن النبي صلى الله عليه وسلم هو النبي الذي أخبر به عيسى، وأنه بُعث للناس جميعا. وهذه الآثار وإن كان بعضها فيها ضعف، الآثار الأول من طريق الواقدي، وهو متهم، وهكذا كذلك فيه انقطاع. أثر المغيرة بن شعبة، والأثر الثاني كذلك، أو الأثر الذي قبله أولا، أثر حاطب، والأثر الثاني كذلك من طريق الواقدي، وفيه كذلك انقطاع، ورجال لا يعرفون بإسناده. بعض من لا يعرف، عبد الملك بن عيسى التقفي، قال به الحافظ: مقبول. وهكذا بعضهم. وهو بالشواهد مثل عبد الله بن عبد الرحمن التقفي. والإسناد الأخير، وإن كان ظاهر كلام ما ذكره في المجمع الهيثمي، التحسين، لكن كما قلنا: أصل هذه الأخبار صحيحة. فأمر إرسال النبي عليه الصلاة والسلام برسول إلى مقوقس مصر، وإهداء مقوقس مصر إلى النبي عليه الصلاة والسلام ماريا القبطية، مشهور أصله بالصحيح، وهذا هو الشاهد. والله تعالى أعلم أنه أراد أن يستدل به على إثبات هذا الأصل: أن النبي عليه الصلاة والسلام بُعث لجميع الناس، ومنهم النصارى، ومنهم العجم، فالقبط من العجم، أصلهم من اليونان، ثم خالطهم أخوان من الروم، وغيرهم. وهكذا كذلك فيه أن أولئك القوم علموا بمرعة النبي عليه الصلاة والسلام، وبصفته. وهذا أمر مشهور، دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وكتب أهل الكتاب، وكذلك الآثار الكثيرة المتواترة المتظافرة التي تؤكد هذا الأصل. والله تعالى أعلم.