الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 125

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 125

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 125، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الرد على ادعاء التواتر عند النصارى

يناقش الشيخ الإسلام ادعاء النصارى بوجود نصوص متواترة في كتبهم، ويرد عليه بأوجه متعددة. يبين أن كتبهم لم تثبت صحتها وأن الحواريين ليسوا معصومين.

انتقاد ادعاء عدم التحريف في الكتب المقدسة

يناقش المؤلف ادعاء النصارى بأن كتبهم لم تتغير، ويبين استحالة معرفة اتفاق جميع النسخ. يشير إلى اعتمادهم على الكتب دون حفظها بالتواتر واختلاف النسخ بين الطوائف.

تحريف الإنجيل وفساد التثليث

يناقش المقطع تحريف الإنجيل وعدم صحة عقيدة التثليث. يبين أن ألفاظ التوراة والإنجيل لم تنقل تواترا وأن النصارى ابتدعوا الأقانيم الثلاثة دون دليل.

خاتمة وتأكيد العلم الإلهي

يشير المقطع إلى انتهاء الحديث حول الموضوع مع التأكيد على أن العلم الكامل عند الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشيخ الإسلام رحمه الله: قال فصل، قالوا: مثل هذا القول في كتب الله المنزل على أفواه الأنبياء والرسل شيء كثير عند النصارى جميعهم، المختلفة ألسنتهم، المفرقين في سبعة أقاليم العالم، المتمسكين بدين النصرانية قول واحد ونص واحد على ما تسلموه من الحواريين حين أنذروهم وردوهم عن إبادة الأصنام إلى معرفة الله تعالى، سلموها إليهم كل أمة بلسانها، وهي على هيئتها إلى يومنا هذا. والجواب عن هذا من وجوه، أحدها: أن القول في سائر ما يذكرونه من النصوص كما تقدم، وقد تكلم على هذا من تكلم عليه من علماء النصارى الذين هداهم الله، وبيّنوا ما وقع في ذلك من تحريفهم لمعاني الكتب التي عندهم، وذكروا مما عنده من النصوص الصريحة بأن المسيح عبد الله، ليس هو الله، ما يتبين به بطلان قولهم، وأنه ممن تركوا المحكم من الآيات واتبعوا المتشابه. ولهذا أنزل الله فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وهذا قول المسيح عليه السلام لما سئل عن علم الساعة، فقال: «لا يعلمها إنسان، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الإبن إلا الأب فقط»، فنفى عن نفسه علم الساعة، وهذا يدل على شيئين: على أن اسم الإبن إنما يقع على الناس دون الله، فإن الله لا يجوز أن ينفى عنه علم الساعة، ويدل على أن الإبن لم يكن يعلم ما يعلمه الله، وهذا يبطل قولهم بالاتحاد، فإنه لو كان الاتحاد حقا كما يزعمون، لكان الإبن يعلم ما يعلمه الله ويقدر على ما يقدر عليه، فإنه هو الله عندهم، والناسوت لا يتميز عندهم عن اللاهوت فيما يوصف به المسيح من كونه عالما قادرا يحيي ويميت. وقال المسيح لتلاميذه: «آمنوا بالله وآمنوا بي»، وقال أيضا: «من يؤمن بي فليس يؤمن بي فقط بل بالذي أرسلني». وهم يذكرون أن المسيح عليه السلام استصرخ الله قائلا: «إلهي إلهي انظر لماذا تركتني وتباعدت عن خلاصي». الوجه الثاني: أن قولهم إن هذه الكتب التي بأيديهم من التوراة والإنجيل وسائر النبوات تسلموها من الحواريين كل أمة بلسانها وهي على هيئتها قول لم يقيم على صحته دليلا، بل ادعوا ذلك دعوى مجردة. ومثل هذا النقل إن لم يثبت بالتواتر لم يحتج به في المسائل العلمية، لا سيما إذا قيل في الوجه الثالث: إن هذا كذب ظاهر، فإن كثيرا من الألسن ليس عند أهله إنجيل قديم. ومن ذلك لسان العرب، فإن العرب النصارى كثيرون قبل الإسلام، ولا تعرف توراة ولا إنجيل ولا نبوات عربية إلا ما عرب من النسخ العبرية والرومية والسريانية. ونحن نطالبهم بهذه الكتب التي هي بالعربية التي في زمن الحواريين، أين هي؟ ومن رآها؟ ولو قدر أنها كانت بالعربية، فهذه النسخ اليوم العربية الموجودة بأيدي الناس هي مما عرب مما بأيديهم، وحينئذ فلا تعرف صحتها إن لم تعرف صحة الترجمة، ويثبت نقل تلك عن المسيح عليه السلام. وهكذا القول في سائر الألسن. الوجه الرابع: أن التوراة والنبوات التي نقلت من نسخ اليهود، والأناجيل هي أربعة، كتبت بعد المسيح عليه السلام، إثنان ممن كتبها لم يرى المسيح وهما لوقا ومرقس، واثنان رأياه وهما يوحنا ومتى. والنسخ إنما كثرت عن الأربعة، وما ينقله الأربعة لا يجب أن يكون متواترا معلوما. وإذا كثرت الألسن بها، فمن بعد الأربعة لا أن الذين سمعوها من المسيح عليه السلام تكلموا باثنين وسبعين لسانا، فإن هذا لم يقوله أحد، ولا يقوله عاقل، إذ الحواريون كانوا اثني عشر، لم يكونوا اثنين وسبعين. فإذا قيل: إنه نقلها اثنان وسبعون، فهم نقلوها عمن نقلها إليهم من الحواريين، وهم إنما يسندون نقلها إلى أربعة. الوجه الخامس: أن الحواريين ليسوا معصومين، بل يجوز على أحدهم الغلط في بعض ما ينقله. وما ينقل من خوارقهم للعادات، فمن الناس من يكذبه، ومنهم من يصدقه. ولا ديلة فيه على عصمتهم، إلا أن يثبت أنهم ادعوا النبوة وأقاموا المعجزات الدالة على نبوتهم، ولم يكن الأمر كذلك. وإلا فالصالحون إذا كانت لهم كرامات لم تدل كرامتهم على أنهم معصومون كالأنبياء، بل يجوز عليهم الغلط مع ثبوت كراماتهم. والحواريون عندهم ليسوا بأنبياء، وإن سموهم رسلا، فهم رسل المسيح لا رسل الله تبارك وتعالى. الوجه السادس: أن في هذه الكتب التي بأيديهم ما يناقض قولهم من الأقوال الصريحة الكثيرة، ما هو أكثر وأصلح مما احتجوا به على قولهم. والواجب حينئذ التمسك بالصريح المحكم ورد المتشابه إليه، ولا يجوز التمسك بالمتشابه ورد المحكم إليه. الوجه السابع: أنه بتقدير أن يكون في الأرض هذه الكتب باثنين وسبعين لسانا، سواء كانت كلها منقولة عن الحواريين نقلا صحيحا أو كان نقل أكثرها أو أكثر منها مترجمة من لغة إلى لغة، فمعلوم أنه بكل لسان عدة نسخ. ولو لم يكن بها إلا لسان واحد، مع كثرة النسخ بها في مشارق الأرض ومغاربها، لم يمكن أحدا أن يقطع بأن جميع النسخ على لفظ واحد ونص واحد، كما ادعاه هؤلاء في الاثنين وسبعين لسانا، حيث قالوا: «ومثل هذا القول في كتب الله المنزل على أفواه الأنبياء والرسل كثير عند النصارى جميعهم، المختلفة ألسنتهم، المتفرقين في سبعة أقاليم العالم، المتمسكين بدين النصرانية قول واحد ونص واحد على ما تسلموهم من الحواريين وردوهم عن عبادة الأصنام». فسلموها إليهم كل أمة بلسانها، وهي على هيئتها إلى يومنا هذا. فإن هذا الكلام تضمن عدة دعاوى، ليس فيها ما يمكن قائله أن يكون عالما به. فعلم أن هؤلاء تكلموا بهذا الكلام بلا علم، بل بالجهل والضلال، كما هو عادتهم. فإنه يقال لهم: من الذي جمع كل نسخة في العالم من جميع التوراة والإنجيل والزبور وسائر النبوات الأربعة والعشرين بلسان واحد كالعربي مثلا؟ وهل ميز جميع النسخ فلمر نسخة تزيد على نسخة ولا تنقص عنها؟ ومعلوم إن كان هذا ممكنا أمكن أن يقال: جمعها جامع، وغير بعض ألفاظها. فلا يمكنهم دعوى بقائها بلا تغيير. وإن لم يمكن ذلك، لم يمكن أحد أن يقول: أنا أعلم موافقة كل نسخة من نسخ هذه الكتب لكل نسخة توجد في سبعة أقاليم العالم بذلك اللسان، فضلا عن 72 لسانا، فضلا عن أن يقال: أنا أعلم أن هذه الألسن كلها تكلمت بها الحواريون، وهي باقية على رفضهم إلى اليوم. ومعلوم أن الإنسان إذا أمكنه جمع نسخ كتاب واحد من جميع الفنون من كتب الطب والحساب والهندسة والنحو والفقه والحديث، كان بإمكان تغيير بعض الألفاظ تلك النسخ. أيصر عليهم من مقابلة ألفاظ كل نسخة بألفاظ تلك النسخ مثلها؟ فإن هذا لا يقدر عليه في العادة، بل هو متعذر أو متعسر، ولسيما والمقابلة إن كانت بين أثنين، فكل منهما ينقل للآخر لفظ نسخته، فيكون مدار المقابلة على خبر واحد، لم يقتل بخبره ما يعلم به صدقه، فقد يغلطان أو يكذبان جميعا. وإن كانت بين عدد يحصل بهم العلم، احتاجت كل نسخة بكل لسان إلى أن يشهد برفظها جمع يحصل بهم العلم. وأولئك بأعيانهم يشهدون برفظ كل نسخة بكل لسان، ويشهدون برفظ كل نسخة، ويشهد لهم من هو مثلهم برفظ النسخة الأخرى وموافقتها لها. وهؤلاء أو مثلهم بموافقة النسخة الثانية. ومعلوم أن هذا لم يفعله أحد، ولا يقدر عليه أحد، بل لو اجتمع جميع ملوك النصارى على ذلك، وعلماء بلادهم على ذلك، لم يقدروا عليه. فإن من النسخ ما هو عند المسلمين، ومنها ما هو في بلاد لا حكم لهم عليها. وأيضا قد يكون في بلادهم من النسخ ما لم يظهرها أصحابها. فكل من شهد من النصارى وغيرهم بأن كل نسخة في العالم بهذه الكتب توافق جميع النسخ، فهو شاهد زور شهد بما لا يعلم، بل شهد بما يعلم أنه كاذب فيه. وكذلك لو شهد بمثل هذا لنسخ أي كتاب كان، فإن العادة المعروفة أن نسخ الكتب تختلف، ويزيد بعضها وينقص بعضها. والقرآن المنقول بالتواتر لم يكن الاعتماد في نقله على نسخ المصاحف، بل الاعتماد على حفظ أهل التواتر له في صدورهم. ولهذا إذا وجد مصحف يخالف حفظ الناس، أصلحوه. وقد يكون في بعض نسخ المصاحف غلط، فلا يلتفت إليه، مع أن المصاحف التي كتبها الصحابة قد قيد الناس صورة الخط ورسمه، وصار ذلك أيضا منقولا بالتواتر. فنقلوا بالتواتر لفظ القرآن حفظا، ونقلوا رسم المصاحف أيضا بالتواتر. ونحن لا ندعي اتفاق جميع نسخ المصاحف، كما لا ندعي أن كل من يحفظ القرآن لا يغلط، بل ألفاظه منقولة بالتواتر حفظا ورسما. فمن خرج عن ذلك، علم الناس أنه غلط لمخالفته النقل المتواتر. بخلاف هذه الكتب، فإن النصارى لم يحفظوها كلها في قلوبهم تلقيا لها عن الحواريين حفظا منقولا بالتواتر، بل لم يكن أحد منهم يحفظها كلها، فضلا عن أن يحفظها كلها أهل التواتر، فضلا عن أن يحفظ كل لسان منها من تواتر من تواتر بهم ذلك اللسان. وهذا أمر معلوم لجميع النصارى وغيرهم، أنهم لم يحفظها كلها بكل لسان من زمن حواريين عدد التواتر، بل ولا في زمن من الأزمان. بل بعد انتشار النصارى وكثرتهم وتفرقهم في الأقاليم السبعة، لا يكاد يوجد فيهم من يحفظها كلها عن قلبه، كما يحفظ صبيان مكاتب المسلمين القرآن. فكيف يحفظها في كل زمان أهل التواتر؟ فكيف يحفظ كل لسان من الاثنين وسبعين أهل التواتر؟ وإذا كان اعتمادهم إنما هو على الكتب، وهم لا يمكنهم معرفة اتفاق جميع النسخ بلسان واحد، فضلا عن جميع الألسنة. فيعلم أن دعواهم أنها لم تزل متفقة على نص واحد ولفظ واحد، وأن جميع نسخها متفقة في هذا الزمان وفيما قبله، كلام مجازف يتكلم بلا علم، بل يتكلم بما يعلم أنه باطل. الوجه الثامن: أن هذا لو قدر إمكانه، فإنما يكون منقولا لو لم يعلم أنه كذب، فكيف مع العلم بأنه كذب؟ فإنه يوجد في هذا الزمان نسخ التوراة والإنجيل والزبور والنبوات مختلفة متناقضة. والنسخ التي عندنا النصارى مختلفة، وهي أيضا تخالف نسخ اليهود والسامرة في مواضع. وحينئذ، فإذا قالت النصارى: نسخنا هي الصحيحة، لم يكن هذا أولى من قول اليهود: نسخنا هي الصحيحة. بل معلوم أن اعتناء اليهود بالتوراة أعظم من اعتناء النصارى. ثم بعد هذا، ما ذكروه لا يكفي إن لم يعلم أن نسخهم توافق النسخ التي عند اليهود حتى السامرة. وهذا غير معلوم. وإن قالوا: إذا خالف نقل اليهود نقل الحواريين، لم يلتفت إليه، لأنهم معصومون. كل هذا ممنيا على دعوى عصمتهم، وقد عرف فساده. وإذا قالت النصارى: نحن ننقلها عن الحواريين المعصومين، قالت اليهود: نحن ننقلها عن موسى المعصوم باتفاق أهل الملل، أو عن العارف المعصوم باتفاق اليهود والنصارى. وكثير من المسلمين فالتوراة باتفاق الخلق ما روي عن موسى من عمران، وهو معصوم. وإنما يطعن من يطعن في نقل بعضها لانقطاع التواتر في أثناء المدة لما قريب بيت المقدس، ولم يبق فيه ساكن أكثر من سبعين سنة. فيقول بعض الناس: إن بعض ألفاظها غير حينئذ. ويقول بعضهم: لم تغير ألفاظ جميع النسخ، وإنما غير ألفاظ بعض النسخ، وانتشرت النسخ المغير عند كثير من الناس حتى لا يعرفوا غيرها. ثم بنوا إسرائيل لم يزل فيهم نبي بعد نبي حتى جاء المسيح، وبعد المسيح، فلم يزالوا خلقا كثيرا، لا يمكن تواطئهم في مشارق الأرض ومغاربها على تغيير نسخ التوراة. بخلاف الإنجيل، فإنه إنما نقله أربعة، ومن كتب التوراة والزبور والنبوات من أتباع المسيح، فإنما كتبوها من النسخ التي كانت بأيدي اليهود. وإن قالوا: كانوا معصومين، فهذا ممنوع عند المسلمين واليهود. وعلى تقدير تسليمه، فاليهود ينقلونها أيضا عن المعصوم قبل هؤلاء. فلا يمكن مع هذا أن يدعي مدعي أن النبوات التي عند النصارى تواترت عن المعصوم أعظم من تواتر ما عند اليهود. بل لا يشك العقلاء العادلون أن نقل حروف التوراة أصح من نقل حروف الإنجيل. وهذا أمر يعرف من وجوه متعددة. فإن التوراة أخذت عن المعصوم باتفاق أهل الملل، وكانت منقولة قبل المسيح بين الأنبياء وبين بني إسرائيل أعظم من نقل الإنجيل. وبعد المسيح، نقلها اليهود والنصارى. وإذا كان كذلك، فإذا وجد ما عند اليهود والسامرة من نسخ النبوات يخالف ما عند النصارى في بعض الألفاظ، كان هذا دليلا على أن هذه الكتب ليست ألفاظها منقولة عن نص واحد، وأنه ليس كل لفظ من ألفاظها متواترا. والله أعلم. الوجه التاسع: أن جميع ما عندهم من النصوص الصحيحة لا يدل على مذهبهم البتة نصا، بل غاية ما يدعون فيها الظهور، وهم منازعون في ذلك، حتى يقال: بل الظاهر فيما يحتجون به خلاف قولهم. ومعلوم أن وصول الإيمان التي يؤمن أهل الإيمان بها ويكفرون من خالفها، لا بد أن تكون معلومة عندهم عن الأنبياء. والعلم لا يحصل بلفظ محتمل. فعلم أنه لا علم عندهم عن الأنبياء عليهم السلام، وهو محل النزاع. الوجه العاشر: أن أصلح ما عندهم من التثليث، وهو قوله: «عمد الناس باسم الأب والإبن وروح القدس». وعلى هذا القول بنوا قولهم بالتثليث، وأثبتوا لله ثلاثة أقانيم. ولفظ الأقانيم لم ينطق به أحد من الأنبياء، ولا أحد من الحواريين باتفاقهم، بل هو مما ابتدعوه. قيل: إنه لفظ الرومي، معناه الأصل. ثم أطلقوا الإبن تارة يقولون: هو علم الله، وتارة يقولون: هو حكمة الله، وتارة يقولون: هو كلمة الله، وتارة يقولون: هو نطق الله. وروح القدس تارة يقولون: هو حياة الله، وتارة يقولون: هو قدرة الله. والكتب المنقول عن الأنبياء عندهم، ليس فيها تسمية شيء من صفات الله لا باسم ابن، ولا باسم روح القدس. فلا يوجد من الأنبياء سمى علم الله وحكمته وكلامه ابنا، ولا سمى حياة الله أو قدرته روح القدس. بل روح القدس في كلام الأنبياء يراد بها معنى ليس هو حياة الله، كما يراد بها ملك الله، أو ما ينزله في قلوب الأنبياء والصالحين من هداه ونوره وتأييده ونحو ذلك. وإذا كان كذلك، علم أن ما فسروا به قول المسيح عليه السلام: «عمد الناس باسم الأب والإبن وروح القدس»، كذب صريح عليه. وكذلك ما فسروا به كلام الأنبياء من إثبات الأقانيم الثلاثة، كذب صريح عليهم. فقولهم: «إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب»، أرادوا به إثبات ثلاثة آلهة. فإن هذا مما يعلم بالضرورة ضلالهم فيه، وافتراءهم عن الأنبياء. ويعلم أن إله ثلاثة هو إله واحد، ليس إله إبراهيم إلها آخر غير إله إسحاق، حتى لو قيل بالأقانيم، فلا يقول عاقل: إن أحد الأقانيم إله هذا، والأقنوم الآخر إله الآخر. فإن هذا لم يقل أحد من العقلاء، لا من النصارى، ولا لغيرهم. ليقولون: إن الأب إله إبراهيم مثلا، والإبن إله إسحاق، وروح القدس إله يعقوب. بل هم متفقون مع قولهم بالتثليث، أن الجميع إله واحد لجميع المرسلين، ليس إله هذا أقنوما، وإله الآخر أقنوما آخر. فعلم أن ما يفسرون به كلام الأنبياء كذب لا يصح على تثليثهم الذي ابتدعوه، ولا قول أهل التوحيد المتبعين للرسل. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كما نرى هذه الأوجه الكثيرة، أو ردها لرد أو تأكيد رد ما سبق من الشبه. وأطال رحمه الله تعالى في بيان أولا ما يتعلق بنسخ الإنجيل وصحتها، وهكذا كذلك ترجمتها، وتحته أوجه كثيرة كما سمعنا. ثم ما يتعلق ببعض ما يدل أن ما في الإنجيل فيه شيء من التحريف والكذب، وأن معظم ما ادعوه من الشبه لا يساعده أولا لفظ الإنجيل، وثانيا لو قدر أنه وجد لعلم أنه من الكذب المخالف للحس والواقع، وما فيه كتب الله عز وجل المنزلة. ومر معنا الكلام على أكثر هذه المباحث، وقد مر معنا أنه رحمه الله قد أشار أن ادعاءهم أنه نزل ب72 لغة، هذا يحتاج إلى برهان. حتى لو قيل: إنه ترجم، فإن ترجمته لم يكن في عهد الحواريين، فضلا أن يكون في عهد المسيح. وإذا كان كذلك، علم أن هذه الترجمة قد يلحقها ما يلحق من التحريف مما يفضي إلى تغيير وتبديل الكثير من المعاني الصحيحة إلى غيرها. فكيف يضاف إلى أن هذا المدعاء أنه قد ترجم إلى 72 لغة في الحقيقة ليس كذلك، كما مر معنا قبل هذا أشد وأشد. فالحاصل بيّن رحمه الله أن هذه المسائل في الحقيقة عند التحقيق والإنصاف يتبين أنه ليس مما يعتمد عليها بمثل هذا الباب. والواجب الرجوع إلى المحكم المعلوم مما في أيدي النصارى، فضلا عما جاء عن غيرهم مما يؤكد أن ما هم عليه من عقيدة عقيدة فاسدة، لا يوافقها علم صحيح، ولا نقل صريح، كما بيّنه رحمه الله، وكثر ذلك فيما تقدم، وهذا كذلك منه. وهكذا مسألة الأقانيم، سبق الكلام عليها. إلى هنا والله تعالى أعلم.