الدرة البهية شرح القصيدة التائية  5

الدرة البهية شرح القصيدة التائية 5

الدرس في الدرة البهية شرح القصيدة التائية 5، الدرس الخامس:من( وأما الطائفة الثانية فهم الجبرية الذين يقال لهم القدرية المجبرة ... كما أخبر بذلك في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الجبرية وبدعتهم

يتناول شرحًا لكلام الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي حول الجبرية وبدعتهم في إنكار قدرة العبد على أفعاله. يُبين أن قولهم يخالف الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.

الرد على الجبرية وإبطال قولهم

يناقش مذهب الجبرية ويبين فساده ولوازمه الباطلة مثل إسقاط الأمر والنهي وتعطيل الشرائع والحدود. يرد عليهم بأن إثبات قدرة الله لا يتعارض مع إثبات إرادة العبد وقدرته.

موقف أهل السنة والجماعة من قضاء الله وقدره

يشرح آراء الطوائف الثلاث في القدر ويبين موقف أهل السنة والجماعة، حيث أثبتوا قضاء الله ونفوذ مشيئته مع إثبات أفعال العباد الاختيارية.

ختام الجواب المجمل وتوضيح بالتفصيل فيما بعد

أجمل المتحدث رده على سؤال ما، وعد بالتفصيل فيما بعد، ثم ختم كلامه بالشكر.

  • 12 جمادى الأولى 1430هـ - 06/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: وأما الطائفة الثانية، فهم الجبرية الذين يقال لهم القدرية المجبرة، وهم غلاة الجهمية الذين إمامهم في هذا وغيره جهم بن صفوان، المتفق على بدعته، بل بدعه الخبيث المتنوعة -يعني متفق على تبديعه بأنواع البدع الخبيث المتنوعة- يعني: سواء في الصفات أو في الإيمان أو في القدر أو في غير ذلك. وسيأتي إن شاء الله أن الجبرية درجات. قال: فزعموا أن عموم مشيئة الله وعموم إرادته يقتضي أن العبد مجبور على أفعاله، مقسور مقهور على أقواله وأفعاله، لا قدرة له على شيء من الطاعات، ولا على ترك المعاصي. ومع أنه لا قدرة له على ذلك عندهم، فهو مثاب معاقب على ما لا قدرة له عليه. وهذا القول من أشنع البدع وأنكرها، وهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع إمَّة المهتدين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ومخالف للعقول والفطر، ومخالف للمحسوس. فليس هو مخالفًا للأدلة والإجماع بل وكذلك للعقل والفطرة والحس. قال: وكل قول يمكن صاحبه أن يطرده إلا هذا القول الشنيع، فإنه لا يمكن أن يعمل به ويطرده -يعني يجعله مطردًا- كما تقدم أنه لا يعذر من ظلمه وتعدى عليه، أو من ظلم وتعدى عليه -أنه لا يعذر- نعم. قال: كما تقدم أنه لا يعذر من ظلمه وتعدى عليه، ما اعتذار المتعدي بالقدر؟ فإن الجبري لا يعذره، بل يرى اعتذاره بالقدر زيادة ظلم وتهكمًا به. فكيف يسلك هذا المسلك مع ربه، وهو لا يرتضيه لنفسه من غيره؟ ومر معنا المثال في ذلك، في أنه لو أن أحدًا ظلمه واعتدى عليه فاستدل بالقدر، ما قبل منه. فكيف هو يظلم نفسه بذنوبه ومعاصيه، ثم يستدل بالقدر؟ ومن هذا حاله استحق العقاب مرتين: الأولى لمعصيته وكفره، والثانية لاستدلاله بالقدر. قال: والمقصود أن هذه الطائفة خالفت المنقول والمعقول -المنقول يعني: النصوص والآثار، والمعقول يعني: ما تدل عليه العقول الصحيحة ويدرك بالفطرة والحس-. قال: ونصوص الكتاب والسنة تبطل قولهم. فإن الله نسب أعمال العباد إليهم من الطاعات المتنوعة والمعاصي الكثيرة، كلها يضيفها إلى الفاعلين، ويخبر أنهم هم الفاعلون لها، ويستحقون جزاءها من خير وشر. فلو كانوا مجبورين عليها لم ينسبها لهم، ولم يضفها إليهم، بل ينسب الأفعال إلى نفسه -حاشاه وتعالى عن ذلك- فلا يقال: الله الذي فعل الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، بل يقول كل أحد: العبد هو الذي فعلها، والله هو الذي قدرها من غير أن يجبره عليها. قال: ويلزم على قول الجبرية أيضًا إسقاط الأمر والنهي؛ لأنه كيف يؤمر وينهى من لا قدرة له على امتثال الأمر واجتناب النهي؟ فلازم قولهم تعطيل الشرائع، وكذلك رد الرسالات، وغير ذلك من اللوازم الباطلة التي يصير بها قولهم أكثر من كفر الكافرين. قال رحمه الله: لأنه قال: ويلزم على قول الجبرية أيضًا إسقاط الأمر والنهي؛ لأنه كيف يؤمر وينهى من لا قدرة له على امتثال الأمر واجتناب النهي؟ ويلزم أيضًا على قولهم إسقاط الحدود عن جميع أهل الجرائم؛ إذ كيف يعاقبون وتقام عليهم الحدود وهم غير قادرين بل مجبورين؟ فالخلاصة في هذا رد لكل الشرع. قال: فهذا القول الباطل مخالف لجميع أصول الدين وفروعه. وهذا التقسيم ليس إقرارًا منه، فهو في مواضع من كتبه ينكر مثل هذا التقسيم، لكنه ربما من باب مخاطبة الناس بما يعرفون. قال: ويلزم أيضًا على قول الجبرية تعطيل الأسباب الدينية والدنيوية؛ وذلك أن الله تعالى جعل الأسباب موصلة إلى مسبباتها، وهكذا سبحانه جعل لكل شيء حكمة وعلة في الغالب. فهم عطلوا الحكم وأبطلوا الأسباب وغير ذلك. قال: وآمر العباد بسلوك كل سبب نافع لهم في دينهم ودنياهم، فكيف يؤمرون وهم مجبورون غير قادرين؟ فالقول بالجبر فيه فساد الدين والدنيا. والذي حملهم على هذا القول مع ظهور فساده ظنهم أنه لا يمكنهم إثبات عموم مشيئة الله وقدره حتى يسلب العبد قدرته، مع أنه لا معارضة من إثبات عموم مشيئة الله وقدرته مع إثبات المشيئة للعبد والإرادة التي لا تخرج عن مشيئة الله وقدرته. قال: وقد غلطوا بهذا الظن؛ فإنه كما تقدم يمكن العبد من إثبات عموم القدر، ومن إثبات أن الأعمال هي أعمال العباد حقيقة؛ لأن الله خلقهم وخلق كل ما فيهم من القوى الظاهرة والباطنة، وبقدرتهم وإرادتهم مكنهم من كل ما يريده من خير وشر، فعلوا الأمرين باختيارهم من غير إجبار. وهذا كما يستشعره كل إنسان: البر والفاجر، والمؤمن والكافر، فهو كذلك أيد بالمؤيدات الكثيرة الشرعية، وهكذا أيضًا القدرية والكونية، ومنها العقلية، وما فطر عليه الناس، وما يلتمسه الإنسان في الحس. فمن الأدلة الشرعية أدلة كثيرة سيأتي بعضها، ومنها ما سبق ذكره من إثبات الإرادة للعبد والمشيئة، وهكذا أيضًا الإمكان، وأنه إنما يحاسب على فعله ويعاقب عليه. وأما الأدلة القدرية الكونية فكثيرة، منها عقلية كالمثال الذي ضربه، ومنها فطرية ما فطر عليه كل إنسان، فيجد في قرارة نفسه مستشعر أنه صاحب القرار فيما يفعل -يعني مما هو بإمكانه بقدرته-. وأما ما كان ليس بإمكانه فليس كذلك. وهذا يؤكده الحس، وقريب من هذا المثال المذكور سابقًا: فرق بين الرجل يسقط من أعلى البيت، ورجل ينزل من أعلاه بالسلم؛ فإنه إن شاء نزل وإن شاء ترك النزول. فليس سقوط الساقط من أعلى البيت أو من أعلى الدرج كنزوله بإرادته وقدرته وفعله. لن يكون فعل الأول كفعل الثاني لا شرعًا ولا حسًا ولا عقلًا ولا فطرة. فإن هذا لا يكاد ينكره أحد، فكيف وقد اجتمع على هذا المعنى مؤيدات كثيرة وبراهين متتابعة لا يمكن جحودها إلا من قبل مكابر. قال رحمه الله: وقد تصل الحال بهذه الطائفة وتغلوا في القدر حتى يعتقدوا أن معاصيهم طاعات؛ لأنها بمشيئة الله. وهذا قول غلاة الجبرية. ومضى معنا أن الناس طوائف في ذلك في القول بالجبر، ومن هذه الطوائف الأشاعرة، الذي كان من قولهم في أفعال العباد ما سبق ذكره. قال رحمه الله: فيشارفون الطائفة الثالثة، وهم القدرية المشركون الذين اعتذروا عن شركهم وتحريمهم ما أباح الله بالمشيئة، وجعلوا مشيئة الله محبته. فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. قال: فهذه الطوائف الثلاث هم فصماء الله في قضائه وقدره، منهم من نفاه، ومنهم من غلا فيه غلوًا غلوًا أوقعه في الباطل. وهدى الله أهل السنة والجماعة لما اختلفوا فيه بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. فأثبتوا عموم قضاء الله ونفوذ مشيئته بكل شيء، وأثبتوا مع ذلك أفعال العباد من الطاعات والمعاصي، وقالوا: إنها واقعة باختيارهم. ولا حجة للعاصين على الله إذا احتجوا على معاصيهم بقدره، بل حجتهم باطلة ضاحضة. وقالوا: إن مشيئة الله غير محبته؛ فمشيئته تعلقت بكل شيء موجود من خير وشر وطاعة ومعصية، ومحبته خاصة للطاعات وأهلها، كما أخبر بذلك في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا كما سبق جواب مجمل، وسيأتي إن شاء الله الجواب المفصل. طيب، لهنا والله تعالى أعلم. شكرًا.