الصحيح المسند من دلائل النبوة 19

الصحيح المسند من دلائل النبوة 19

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 19، الدرس التاسع عشر:من( قال الإمام البخاري رحمه الله حدثنا قتيبة قال حدثنا سهل بن يوسف ... فرأيت النبي أشرق وجهه وسره يعني قوله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شجاعة النبي في المعارك والمواقف الصعبة

يُظهر النبي صلى الله عليه وسلم شجاعة فائقة في معركة حنين وغيرها من المواقف، حيث ثبت ولم يفر رغم الهزيمة الأولية لبعض المسلمين، وبقي يحمس المسلمين ويقاتل. كما واجه الخوف في المدينة ليلاً وركب فرساً عرياً بدون سرج، مما يدل على شجاعته.

شرح الأحاديث النبوية ودلالاتها الفقهية

تضمن المقطع شرحًا لأحاديث نبوية متعلقة بشجاعة النبي ومدح الخيل، وتناول مسائل فقهية وفتاوى متعلقة بالدعاء وآدابه، وتوجيهات حول التعامل مع الجماعات الدعوية، مما يبين أهمية فهم الأحاديث وتطبيقها في الحياة اليومية.

ضوابط الدعاء على الكفار وتوجيهات شرعية

يُشترط في الدعاء على الكفار أن يكون مقصورًا على المعتدين منهم، واستدل العلماء على ذلك بفعل النبي وفتاوى اللجنة الدائمة وابن تيمية، حيث أن تعميم الدعاء قد يكون تجاوزًا للوصف الشرعي وللمقصود من الدعاء.

أهمية الرجوع عن الخطأ وتحدياته

يُسلط الضوء على أن الناس قد يخطئون في أقوالهم ويتبين لهم الخطأ فيما بعد، لكن الرجوع قد يكون صعبًا بسبب العناد والكبر، وقد يتراجع البعض على استحياء، مما يبين أهمية الاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الصواب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال الإمام البخاري، رحمه الله تعالى: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا سهل بن يوسف، عن شعبة، عن أبي إسحاق، قال: قال رجل للبراء بن عازب، رضي الله عنه: أفررتم عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم حنين؟ قال: «لكن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يفر، إنها وازنة، كانوا قومًا رماة، وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم، فانهزموا، فأقبل المسلمون على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فأما رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلم يفر، فلقد رأيته وإنه لعلى بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان آخذ بلجامها، والنبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». والمعنى أنه كان عليه الصلاة والسلام ذا شجاعة، فكان شجاعًا مقدامًا عليه الصلاة والسلام، وهذا كذلك مما يضاف من شمائله عليه الصلاة والسلام، وهو دليل من أدلة كثيرة على صدق نبوته وصحة رسالته عليه الصلاة والسلام، فإن من يريد الدنيا لا يعرض نفسه لمواضع الملاحم. وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يقدم بنفسه في الجيش، حتى أنه عليه الصلاة والسلام يوم أحد كسرت رباعيته، ودخلت حلقات المغفر في وجنتيه، وأصابه ما أصابه عليه الصلاة والسلام. قال البخاري، رحمه الله: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني أبو إسحاق به. وأخرجه مسلم يعني بمثل هذه الرواية. قال: وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمر، قال الإمام مسلم، رحمه الله: وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمر بن سرحن، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني كثير بن عباس بن عبد المطلب، قال: «قال عباس: شهدت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلم نفارقه، ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، على بغلة له بيضاء، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار، ولّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يركض بغلته قبل الكفار». يعني بعض المسلمين رجعوا إلى الوراء، وأقبل النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى الأمام، يعني دخل في صفوف العدو. قال عباس: «وأنا آخذ بلجام بغلتي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أكفها إرادة ألا تسرع»، يعني حتى لا تذهب بالنبي عليه الصلاة والسلام بعيدًا فيدخل وسط الكفار. قال: «ألا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أي عباس، نادي أصحاب السمرة»، فقال عباس: وكان رجلًا صيتًا، يعني صاحب صوت قوي، فقلت بأعلى صوتي: «أين أصحاب السمرة؟». قال: «فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها»، يعني وهي تدافع على أولادها مما يعتدي عليها، يعني بشدة وقوة. «فقالوا: يا لبيك، يا لبيك»، يعني مجيبين مجيبين. قال: «فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار»، قال: «ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج»، فنظر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «هذا حين حمي الوطيس»، قال: «ثم أخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حصيات فرماهم بهن وجوه الكفار»، ثم قال: «إن هزموا ورب الكعبة»، قال: «فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته»، أو قال: «إن هزموا ورب محمد»، نعم، «إن هزموا ورب محمد»، إما أمر «إن هزموا» أو خبر، وكله يصلح بالصيغتين، والمعنى إما دعا عليهم وإما ما علم مما أوحاه الله عز وجل عليه أنهم سينهزمون، فيكون خبرًا. قال: «فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى»، قال: «فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلًا وأمرهم مدبرًا»، يعني شدتهم ضعفت. قال الإمام البخاري، رحمه الله: حدثنا عمر بن عون، قال: حدثنا حماد - وهو ابن زيد - عن ثابت، عن أنس، قال: «كان النبي، صلى الله عليه وسلم، أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة»، يعني من صوت سمعوه، «فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبله النبي، صلى الله عليه وسلم، قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: لم تراعوا، لم تراعوا»، وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، في عنقه سيف، فقال: «لقد وجدته بحرًا»، يعني هذا الفرس أو إنه لبحر، وهذا مدح للخيل. والمعنى أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قد سبق الناس إلى جهة الصوت، ما أرسل أحدًا، بل ذهب بنفسه ينظر ما هذا الصوت، خرج الناس ووجدوه قد رجع من جهة الصوت يطمئنهم ألا شيئًا يخاف منه. قال الإمام البخاري، رحمه الله: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، قال: «كان النبي، صلى الله عليه وسلم، أحسن الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ليلة، فخرجوا نحو الصوت، فاستقبلهم النبي، صلى الله عليه وسلم، وقد استبرأ الخبر»، ومعنى استبرأ يعني طلب مبتدأه، فوجد أنه لا شيء يخاف منه. قال: «وهو على فرس لأبي طلحة عري»، وفي عنقه السيف، وهو يقول: «لم تراعوا، لم تراعوا»، ومعنى عري واضح، يعني ليس عليه شيء يقعد عليه من السرج ونحوه. ثم قال: «وجدناه بحرًا» أو قال: «إنه لبحر». وأورده شيخنا لما فيه من زيادة إيضاح في قوله: «وقد استبرأ الخبر». قال البخاري، رحمه الله: حدثنا عبد الله بن مسلم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل، عن سهل، رضي الله تعالى عنه: «أنه سئل عن جرح النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم أحد»، فقال: «جرح وجه النبي، صلى الله عليه وسلم، وقسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة عليه السلام تغسل الدم، وعلي يمسك»، يعني يحاول يشد حتى يقف الدم، فلما رأت أن الدم لا يرتد، يعني لا يقف إلا كثرة، أخذت حصيرًا فأحرقته حتى صار رمادًا، والحصير معروف مما يجلس عليه، مما يجمع من سعف النخل، ثم ألزقته، فاستمسك الدم»، يعني وضعت الرماد - رماد الحصير - على موضع الجرح، فينكف الدم، وهكذا يوضع كل ما كان بمعناه مما يسد به مخرج الدم، فإنه يكون سببًا في قفي تدفق الدم، وهو من الطب النبوي الذي أقره عليه الصلاة والسلام. ونحوه ما يستعمله بعض الناس، وهذه فوائد ينبغي أن يستفاد منها، أحيانًا لا يكون عندك دواء، ولا عندك شيء، وتبتلى بجراحة لك أو لغيرك، فتستعمل مثل هذا، وهذا ربما يكون أنفع وقت الحاجات، ونحوه كذلك ما يستعمله بعض الناس من ورق الشاي أو غيره، فكل ما كان نافعًا وثبت بالتجربة بعد عدم مخالفته للشرع أنه نافع، فهو من المباح. قال الإمام البخاري، رحمه الله: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب، قال: «سمعت ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا، لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به»، أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو يدعى على المشركين، فقال: «لا نقول كما قال موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك»، فرأيت النبي، صلى الله عليه وسلم، «أشرق وجهه وسره»، يعني قوله ذلك، فهذه الأحاديث كلها تدل على شجاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وهي كلها واحد من كثير من أمثاله ونظائره التي تدل على أنه كان عليه الصلاة والسلام كامل الصفات، مما يؤيد كونه رسول الله حقًا وصدقًا عليه الصلاة والسلام. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم. يقول: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وجدناه بحرًا» أو قال: «إنه لبحر»، قلتم: هذا مدح للخيل، أمنوا إخبار بأن هذا الصوت من البحر؟ الجواب: لا، هذا مدح للخيل؛ لأن البحر ليس هو في المدينة، ولأن هذا السياق في الكلام على الخيل، ومعناه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم ير شيئًا يشغل الناس، فنقلهم إلى الحديث عن الخيل. يقول: في بعض البوادي يأتون أصحاب التبليغ ويحثون البدو إلى الخروج معهم في سبيل الله، فهل يجوز الخروج معهم؟ إذا كان لا يجوز، فكيف نحذر بعض البدو المفتونين بهم؟ تنصحهم بنصائح أهل العلم، وتعطيهم ما تيسر من أشرطة أو كتب تنفع لنصيحة أمثال هؤلاء، واحرص على أن يكون ذلك بغاية من الرفق واللين الذي يكون معه قبول النصح. وكذلك تأجيف أمثال هؤلاء خصوصًا أن بعضهم ليس عنده نظر شرعية يميز بها بين الصواب والخطأ، بل وربما بعضهم ما يعرف أصلا أهل العلم، ولا يسمع بهم، وأكثر أمثال هؤلاء هم أتباع لمن سبق من سبق إليهم، فهم معه، فإذا انقذف في قلوبهم حب أمثال هؤلاء، تبدأ تدخل معهم برفق ولين، وتبين أن المسألة دين، وأن بعض الأمور تحتاج إلى تأني وغير ذلك، حتى يعلموا أن هذا الباب لابد أن يكون مع من عنده علم، وليس كل أحد يصلح أن يخرج للدعوة إلى الله، وأن الدعوة تحتاج إلى زاد، وأول الزاد العلم بعد تقوى الله سبحانه وتعالى، وغير ذلك. ولأن بعض الأخطاء هم ما يرونها، فيظنونك أنت مفتر وكذاب، وأن هؤلاء الذين تذكرهم من العلماء غير عارفين بالحقيقة، ونحو ذلك، لكن ترفق، فإذا استجابوا الحمد لله، وإذا لم يستجيبوا مع الأيام إن شاء الله يتبين لهم مصداقية ما قلت لهم، فيكون سببًا لرجوعهم ولو بعد حين، وليس من الشرط أن يستجاب للنصيحة من أول وهلة. يقول: ما نصيحتهم حول التأدب بأدب الدعاء إخلاصًا ومتابعة؟ وفي من يرتكب أشياء تكون سببًا في رد الدعاء؛ لأنه من الاعتداء، مثل: «اللهم عليك باليهود ومن هاودهم»، قال العلامة الفوزان: ألا يدخل فيه النبي، صلى الله عليه وسلم، ومن هاودهم؟ نعم، هاودهم، هذه الكلمة معناها المصالحة، يعني المهاداة المصالحة، واليهود جوزوا معهم الصلح إذا كان من مصلحة المسلمين، هذا هو الحق. أما كلمة «هاودهم» فيدخل فيها النبي، صلى الله عليه وسلم، يعني هذا جواب للشيخ الفوزان في تخطئة مثل هذا الدعاء؛ لأننا ندعو على اليهود، لكن ليس بما يكون فيه مجازفة فيدخل فيه من لا يصلح الدخول فيه. قال: ومثل: «ولا تغادر منهم أحدًا»، قال الشيخ ابن عثيمين، رحمه الله، عند شرح باب من كتاب التوحيد، باب: «يشركون ما لا يخلقوا شيئًا وهم يخلقون»، قال ابن عثيمين: أما الدعاء بالهلاك لعموم الكفار، فإنه محل نظر، قال: «اللهم اجعلها سنين كسنين يوسف»، وهذا تضييق، والتضييق قد يكون فيه مصلحة للظالم، بحيث يرجع إلى الله عن ظلمه، فالمهم أن عندي تردد فيه، يعني الدعاء لعموم الكفار. ومسألة الدعاء للعموم يعني مراده، وهذا يحمل من كلامه الآخر فيما علمناه من كلامه، رحمه الله: إذا كان هذا التعميم يشمل من لا دخل له في الاعتداء على المسلمين؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان بينه وبين بعض الكفار صلح، وإذا كان الأمر كذلك، فالدعاء يكون على من يستحق الدعاء. قال ابن تيمية، رحمه الله: «ودعاء نوح على أهل الأرض بالهلاك كان بعد إعلامه إنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن»، قال العلامة الفوزان، حفظه الله: «المشروع في القنوت وغيره الدعاء على المعتدين من الكفار؛ لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، خص المعتدين، ولم يعمم الكفار»، وقالت اللجنة الدائمة: «فناء عاد وثمود، والدعاء بفناء كل الكفار اعتداء في الدعاء؛ لأن الله قدر وجودهم، وقدر بقاءهم لحكمة»، يعني كأنه يقول: إن هذه تدل على هذه المسألة فيما قد يدعو به بعض الناس من تعميم الدعاء، وهذا صحيح. تعميم الدعاء كما سمعتم من كلام هؤلاء العلماء هو قد يكون فيه تجاوز أولًا للوصف الشرعي، وثانيًا كذلك المقصود من الدعاء، المقصود من الدعاء، وأما قول القائل: أن نوحًا عليه الصلاة والسلام قد قال: «رب لا تذر على الأرض من الكافرين أحدًا»، فيدل ذلك على عموم الدعاء على عموم الكفار، فالجواب عليه من وجهين: أولًا أن نوحًا عليه الصلاة والسلام - كما ذكر شيخ الإسلام - أعلم بأنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، وثانيًا أن هذا مما جعله نوح عليه الصلاة والسلام ذنبًا، فأبى - كما في حديث الشفاعة - أن يستشفع للناس يوم القيامة، أو يأبى أن يستشفع للناس يوم القيامة؛ لأنه رأى أن ذلك ليس مما كان ينبغي أن يكون، فإذا كان كذلك، فكيف بعد ذلك يقال: أن هذا فيه دليل؟ كيف يقال: أن هذا فيه دليل على تعميم الدعاء على الكفار؟ وهكذا كذلك ذكر العلماء أن الأدلة الشرعية بأحاديثها كثيرة التي تدل على أنه ليس كل كافر يدعى عليه، فالله عز وجل يخاطب الإبن فيما يتعامل مع والديه الكافرين: ماذا أن يكون بينه وبينهما؟ عشرة بالحسنة، عشرة بينه وبين أبويه الكافرين بالحسنة، بالإحسان، إلا أن يأمر بما هو منافي للشرع، فلا طاعة لهما، وإلا فالأصل أن يعاشرهما بالإحسان والمعروف. وهكذا كذلك كان فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع اليهود حين وقع بينه وبينهم ما وقع في المدينة، وهكذا بينه وبين كذلك بعض المشركين أفرادًا وجماعات وقبائل، ومنها صلح الحديبية، فأشهد أن التعميم خلاف سنة النبي عليه الصلاة والسلام، لكن التعميم للظالمين نعم، وعلى هذا تحمل بعض الأدلة التي فيها معنى التعميم، التعميم للظالمين نعم، والدعاء عليهم كذلك من فعل النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهل الدعاء على الكفار ولعنهم منسوخ؟ قال بهذا بعض أهل العلم، يعني اللعن خاصة، وحمل على ذلك ما جاء في بعض الروايات: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، دعا على قريش ثلاثًا، وعلى نفر من قريش، فنزل عليه بعد ذلك قول الله عز وجل: «ليس لك من الأمر شيء»، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام ثبت أنه دعا على غير قريش، فدعا على الذين اعتدوا على القراء، وفي وقائع أخرى، وعموم قوله ما روي عنه عليه الصلاة والسلام: «أنه كان إذا دعا دعا على قوم أو لقوم»، فيدل على استمرار مثل ذلك. وأما اللعن، فنعم، اللعن بالتعين، فنعم، لو ترك لكان أحوط، يعني أن يلعن إنسانًا بعينه؛ لأننا نرجو أن الله عز وجل يخرج من أصلاب هؤلاء أو يهدي الله عز وجل هؤلاء. طيب، وهذا التنبيه طيب إن شاء الله فيما يتعلق بما ذكر، فالإنسان يحاول أن يكون كلامه موزونًا بالضوابط الشرعية العلمية. ويناسب هنا أن ينبه بتنبيه وهو أن طالب العلم مهما بلغ من العلم، ينبغي أن لا يستصغر ما يصل بين يديه من كلام العلماء، أولًا: أنه ينبغي أن يعلم الفرق بين علمه وعلم من هو أعلم منه، وبين دراسته وطلبه للعلم، وبين دراسة وطلب من هو أعلم منه للعلم، وهذا كفيل بأن يتهذب ويتأدب مع من هو أعلم منه. فإذا كان كذلك، بعد هذا يدفعه ذلك إلى التروي والتأني فيما يصل إليه، فيما ظاهره خلاف الصواب عنده، يعني بحسب علمه، علم هذا الذي يظن. وأقول هذا لأنه قد نجد بعض الناس عندهم جرأة في الإعراض عن كلام أهل العلم، ليس هذا فقط، بل وتسفيهه، تسفيه هذا الكلام، واستصغاره، واستنقاصه، مثل هذه المسألة يأتي بعض الناس فيطعن في عدد من العلماء؛ لأنهم أفتوا ببعض هذا الذي ذكر، كقضية مسألة تعميم الدعاء على الكفار، ويبدأ يستدل من هنا وهنا، ويسفه ويدكر الناس بالأسماء وغير ذلك، وهذا خطأ؛ لأنه أولًا على أسوأ الأحوال اجعله قول عالم مجتهد، هو بين الأجر والأجرين، هو بين الأجر والأجرين، ولا يجوز الطعن في نياتهم، والطعن في دياناتهم، والدخول في أمر الغيب، والغيب والقلب، وأنت لست مكلف بذلك، ولا هذا إليك. زد على ذلك أن الأمر ربما يكون الصواب عندهم ليس عندك؛ لقلة اطلاعك على كلام أهل العلم، ووقوفك على دقائق ما تكلم به العلماء، ونظرهم في الأدلة التي وردت، وكم من قول قلته ورجعت عنه، فلماذا لا يكون هذا منه؟ ربما تقوله اليوم وترجع عنه غدًا، فلذلك ينبغي الإنسان أن يعامل كلام أهل العلم بالإحترام والتأدب. فإن ظننت أنه خلاف الصواب، فقل بما ترى أنه صواب، وقل: والله أعلم، هذا الذي أظن أنه الصواب، والدليل كذا، والله أعلم، بعض أهل العلم قال كذا وكذا، وأظن أنه خلاف الصواب، بأدب وبتأني ورفق، وهذا يدفعك أنك إذا تبين لك الحق في الغد أنك ترجع بكل سهولة، ترجع إلى الحق، ماذا بكل سهولة؟ بخلاف اليوم تقول: هذا قول خطأ، وهذا قول أهل البدع، وهذا قول كذا وكذا، وهذه السفاهة، ثم بعد فترة يتبين لك أن السفاهة هو الذي قلت، فكيف يكون الحال في الرجوع؟ ترجع على استحياء، إذا رجعت، وإلا النفس أحيانًا أمارة بالسوء، بل كثيرًا، فلا يرجع بعض الناس عنادًا وكبرًا.