الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 179، الدرس التاسع والسبعون بعد المائة:(قال البخاري رحمه الله:حدثنا عبدالله بن يوسف ...وسألناه عما صنعنا في ذلك من أكلنا إياه فقال:رزق رزقكموه الله.حديث حسن) ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي المقطع قصة بعثة أبي عبيدة بن الجراح إلى الساحل ووجود حوت كبير أطعمهم، كما يذكر سرية سيف البحر وكيف رزقهم الله بلحوم الدابة البحرية. هذه القصص تبين كرامة أصحاب النبي وفضلهم.
يبرز المقطع كرامة أصحاب النبي في غزوة سيف البحر، حيث رزقهم الله بلحوم الدابة البحرية، ويشير إلى أن نصر الله لهم لم يكن بسبب كثرتهم أو عتادهم، بل كان بفضل الله تعالى.
يستخلص المقطع عبرًا ومسائل من حياة الصحابة، مثل سنة الله في الابتلاء، ومشروعية أكل ميتة البحر، وأهمية الأخذ بالأسباب، وتعاون الصحابة وتضحياتهم في سبيل الله.
يناقش المقطع مفهوم المنة على الله ودينه، ويبين خطأ اعتبار الإيمان والأعمال الصالحة منة من الإنسان على الله، ويشدد على أهمية التواضع والإخلاص في الأعمال.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": قال البخاري رحمه الله: حدثنا عبد الله بن يوسف، وهو التنيسي الدمشقي، قال: أخبرنا مالك، وهو ابن أنس أبو عبد الله إمام دار الهجرة، عن نافع بن جبير بن مطعم، وعنوى ابن كيسان، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثًا قبل الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلاثمائة، وأنا فيهم -يعني جابرًا- قال: فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق، فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله، فكان مزودي تمرًا. والمزود هو الكيس من الجلد يوضع فيه التمر، وقد يسمى به الكيس الذي يوضع فيه زاد المسافر مزودًا، وسمي زاد المسافر أو كيس زاد المسافر مزودًا؛ لأنهم كانوا يتزودون التمر غالبًا، فكان زادهم في أسفارهم هو التمر. قال: فكان يقوتنا كل يوم قليلًا قليلًا حتى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة -يعني كل واحد تمرة واحدة-. قال: فقلت: وما تغني تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت -يعني سأله الراوي عنه: ما تفعل لكم تمرة في يوم كامل؟ فأخبره أنها كانت لها قيمتها وأهميتها؛ إذ حين فني التمر صاروا ينظرون إلى ذلك أنه حال أحسن-. وهكذا نعم الله سبحانه إذا زالت افتقدت. قال: ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الضرب -أي مثل الكوم الصغير، الكوم الصغير أو الجبل الصغير، الضراب الأكوام الصغيرة-. قال: فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت -يعني وضع عليها رحلها حتى ترتفع أكثر- ثم مرت تحتهما فلم تصبهما. ومعناه أنه كان حوت كبير. قال: أخرجه مسلم -يعني كذلك-. قال محمد بن إسحاق ما في سيرة ابن هشام: حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جده عبادة بن الصامت. وانظروا إلى فضل العلم على أهله وعلى ولدي صاحبه، فانظروا هذه سلسلة كلها أسر واحدة: عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه أرضاه. قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى سيف البحر -يعني ساحل البحر- عليهم أبو عبيدة بن الجراح، وزودهم جرابًا من تمر، فجعل يقوتهم إياه حتى صار إلى أن يعده عليهم عدًا، ليس بما كان من قبل، إنما يعد كما مر في حديث جابر بالحبة. قال: ثم نفد التمر حتى كان يعطي كل رجل منهم كل يوم تمرة. قال: فقسمها يومًا بيننا، قال: فنقص التمرة عن رجل، فوجدنا فقدها ذلك اليوم -يعني حتى التمر صارت شيء كثير يبحثون عنه-. قال: فلما جهدنا الجوع أخرج الله لنا دابة من البحر، فأصبنا من لحمها ودكها. والودك يعني الدهن. قال: وأقمنا عليها عشرين ليلة حتى سمنا وابتللنا. وأخذ أميرنا ضلعًا من أضلاعها، فوضعه على طريقه، ثم أمر بأجسم بعير معنا، فحمل عليه أجسم رجل منا. قال: فجلس عليه -يعني على الرحل كما تقدم، الرحل هو ما يوضع على ظهر البعير ليجلس ويتكى عليه الراكب-. قال: فخرج من تحتها وما مست رأسه. قال: فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا خبرها، وسألنا عما صنعنا في ذلك من أكلنا إياه، فقال: رزق رزقه الله لكم. قال: حديث حسن -يعني رواية ابن إسحاق-. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث بروايته، والشاهد منه أنه فيه كرامة من كرامات أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهي دليل من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام. فكرامات الأولياء دلائل الأنبياء؛ إذ أن ذلك يدل على أن ما هم عليه حق وصدق، لأجل ذلك أيدهم الله. وفي هذا فضل الصحابة رضي الله عنهم، وفضل هؤلاء خاصة، زيادة تأكيد فيما جاء في فضلهم، وفضل أبي عبيدة بن الجراح أميرهم. وفيه كذلك من المسائل: مشروعية التزود بالمستطاع في الجهاد؛ فهذا هو المطلوب، وأعد لهم ما استطعتم. وفيه كذلك أن ما نصر الله عز وجل به الصحابة رضي الله عنهم لم يكن بكثرة عدد ولا عدة، ولكن بعظيم تصديق بالله واتباع لشريعته ودينه. وفيه كذلك سنة الله عز وجل في الابتلاء والامتحان؛ فإذا كان الصحابة رضي الله عنهم وهم خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في حياتهم من الشدة ما ذكر في هذا وغيره مما هو أشد منه كثير، فإذا هذا يسلي كل مؤمن أن ما يصاب به فهو قد أصيب به من هو أفضل منه، فهذا تسلية، وما عليه إلا الصبر حتى يأتي النصر، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى. وفيه كذلك أن الشدة والبلاء في الدنيا ليست علامة سخط، بل قد تكون محل رفعة؛ فبسببها تكون الرفعة، وعلى العكس قد يكون التوسع في الدنيا استدراجًا يستدرج الله عز وجل به بعض عباده، ولكن العبرة بالدين؛ فهذا الذي ينبغي أن ينظر إليه. وفيه كذلك من المسائل: ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من التعاون والتراحم، وهذا قليل من كثير من حياتهم وسيرتهم رضي الله عنهم أرضاهم. اليوم عند الناس ما لم يكن عند أغنياء الصحابة؛ الكثير من الآباء يعرف ما مر على الناس من شدة، كان لا يجد الإنسان إلا ثوبًا واحدًا يلبسه طول سنته، وإذا انقطع رقعه. وأكثر البيوت كان لا يوجد فيها إلا التمر إذا وجد، وإلا فمر بالناس في فترة ليست ببعيدة شدة حتى طحنوا الخشب مع الدقيق إذا وجد وأكلوه، وربما يموت الميت يرونه بأعينهم لا يجدون ما يعطونه شيئًا. مر بالناس في بلادنا هذه ما زال من حضر ذلك يحكي لنا مثل هذا. واليوم انظروا إلى ما وسع الله عز وجل على الناس من نعم الطعام بأصنافه، وفتحت على الناس الدنيا: الدور الواسعة والخيرات المتنوعة، ومع ذلك الكثير من الناس يضج ولا يشكر نعمة الله، ويبغي بعضهم على بعض، وهذا من علامات الحرمان والعياذ بالله. وهكذا كذلك فيه من المسائل: مشروعية أكل ميتة البحر؛ فإن الذي خرج لهم ميتًا لم يكن حيًا، وسؤالهم للنبي صلى الله عليه وسلم لأجل ذلك كما جاء في بعض الروايات، فأجابهم أنه حل ميتته. وفيه من المسائل كذلك: التسبب في حصول أسباب الرزق؛ فالبحر من أسباب الرزق، فالإنسان يأخذ بالأسباب، فليس يتوكل على الله مع عدم العمل بالسبب، بل يتوكل على الله مع العمل بالسبب. وفيه من المسائل كذلك: ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم وارضاهم من بدلهم لهذا الدين؛ فقد بدلوا فعوضهم الله عز وجل بعظيم ثوابه وعطائه في الدنيا وفي الآخرة. ولو تأمل الإنسان حال المسلمين اليوم وسأل الكثير منهم: ماذا بدلت لدين الله؟ ما يجد جوابًا لهذا السؤال. ومع ذلك يرى المنة على الله وعلى دينه، ما أنه لو تفكر في حال نفسه ما بدل شيئًا، هو مشغول بدنياه ومشغول كذلك بأداء بعض الفرائض إذا أداها على الوجه الذي يحبها الله، ويرى في هذا منه على الله وعلى دينه، وهذا كذلك موضع من مواضع الحرمان. فينبغي أن نأتسي بهم رضي الله عنهم وأرضاهم. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، وبه نكتفي، والله تعالى أعلم.