القواعد والأصول الجامعة 28

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 28، الدرس الثامن والعشرين : فيه من قوله ( ومن فروعها الرجوع إلى المعروف في نفقة الزوجات ... وأن على كل منهم الرجوع فيها إلى المعروف ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في العرف والعادة

يتحدث الشيخ عن القاعدة التاسعة المتعلقة بالعرف والعادة، ويشرح الرجوع إلى المعروف في نفقة الزوجات والأقارب والمماليك والأجراء. العرف يختلف باختلاف البيئات والطبقات الاجتماعية، ويجب مراعاة العرف ما لم يخالف الشرع.

أهمية العرف في تحديد النفقة وحل النزاعات

يشرح أهمية العرف في تحديد النفقة على الزوجة والأقارب والمماليك والأجراء، وكيف يلعب العرف دورا في حل النزاعات وتجنب الشحناء والبغضاء بين المسلمين. يجب على الأفراد الالتزام بالعرف المحلي لتجنب الشذود والضرر.

لبس المرأة لزي مخالف لعرف بلدها واختلاطها بالرجال

يناقش النهي عن لبس ثوب الشهرة الذي يثير الشذوذ، وينطبق هذا على لبس المرأة لزي مخالف لعرف بلدها، مما قد يعرضها للأذى. كما يتحدث عن ظاهرة اختلاط النساء بالرجال في الأسواق والدكاكين، ويعتبرها أمرا غريبا ويستدعي الانتباه لمراقبة العرف.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ما زلنا في القاعدة التاسعة التي تتعلق بالعرف والعادة. قال الشيخ العلامة بن سعدي رحمه الله تعالى: ومن فروعها الرجوع إلى المعروف في نفقة الزوجات والأقارب والمماليك والأجراء ونحوهم. بل صرح الله بحق الزوجات بالرجوع إلى العرف بما هو أعم من النفقة، وهو المعاشرة؛ لأن النفقة هي الصرفة التي تحتاجها المرأة، يعني من مال للأكل والشرب ونحوه. وأما المعاشرة، فهو يشمل هذه النفقة، ويشمل كذلك ما تحتاجه من أشياء أخرى، مثل معاملة وكلام وسكن، وكذلك خلق وغير ذلك مما يكون بين الزوجين. قال: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾، فشمل هذا جميع ما يكون بين الزوجين من المعاشرة القولية، والفعلية. وأن على كل منهما الرجوع فيها إلى العرف. هذا الفصل كذلك من فروع هذه القاعدة الرجوع إلى المعروف، أي ما كان معروفا في الشرع، وما كان معروفا كذلك في العرف، في نفقة الزوجات والأقارب والمماليك والأجراء. الزوجات معروف، والأقارب كذلك. الأقارب يختلفون بقربهم وبعدهم، وكذلك بأجناد النفقة وعدمها. فمن الأقارب من يكون فقيرا، فيجب على الغني أن ينفق على الفقير. والمماليك كذلك، المملوك والعبد الذي يكون تحت سيده أو يده، فإنه ينفق عليه بالعرف. فنفقة الزوجة الغنية التي تعودت الغناء، ليس كنفقة الزوجة الفقيرة التي لم تتعود ذلك. ولكن ليس معناه أنه لا يعدل بين الزوجات إذا كان عنده زوجات، لكن معناه أنه يعطيها ما تحتاجه، ولا يجب عليه إلا بقدر العرف. هذا نقول: الحد الواجب، ثم إن أراد أن يزيد على ذلك، فهذا أفضل، وهذا من الإحسان. فمثلا، امرأة في الريف تعودت غسل الثياب باليد، وامرأة في المدينة تعود أهل المدينة أن يغسلوا بالغسالات، غسلات لا يعرفون غسل اليد أكثر وقت. فالمرأة التي في الريف، زوجها لا يلزم بمثل ذلك. بينما المرأة التي في المدينة، إذا طالبت زوجها، وهو مستطيع، فعليه أن يفعل ذلك معها؛ يعني من العشرة بالمعروف أن يوفر لها ما هو موفرا عند نساء جنسها. وهكذا كذلك بالنسبة للنفقة، المرأة ربما في الريف تحتاج إلى نفقة خاصة تختلف عن نفقة المرأة في المدينة. وهذا كله إذا لم يخالف الشرع، أي إذا كان العرف لا يخالف الشرع. أما إذا كان العرف يخالف الشرع، مثلا في بعض البلاد، في عرفهم أن المرأة تشتري ثوبا بأربعين ألفا، ثوب العيد أو ثوب العرس، هذا من الإسراف والتبذير، لا يجوز موافقة العرف عليه؛ لأن الشرع لا يرضى بمثل هذا. لأن العرف العام في البلد يقضي على العرف الخاص، إذا كان هناك عرف خاص ويخالفه العرف العام، أخذنا بالعرف العام. ليس لأنه عام أو خاص، لكن كما مر لقرب أحدهما من الشرع. فهذا بمقابلة للشرع. فنجد مثلا عندنا هنا، نجد في بعض البلاد المهرية، تعود النساء التبذير في الأثواب، ربما في السنة تشتري خمسة أثواب، كل ثوب بأربعين ألفا أو خمسين ألفا. كيف يفعل الزوج الذي يرتب عليه خمسة عشر ألفا؟ من أين يأتي بها؟ إما أن يبيع ملكا إن كان عنده ملك، وإن كان أمينا ولم يكن عنده ملك، استلف وتحمل الأثقال والأفقد. وإذا كان غير أمين، فبعد ذلك لا تسأل من أين يأخذ هذا المال. فالواجب هو التقيد بما لا يخالف الشرع في هذا العرف. لكن يوجد شيء لا يخالف الشرع، مثلا امرأة بعرف خاص في ريف تلبس ثيابا خاصة تعودها النساء في الريف، طبعا بغير تبرج وبغير ما يظهر عند الرجال، لكن بين النساء لها أثمان دون أثمان الثياب التي تلبسها المرأة الحضرية. المرأة الحضرية لا تستطيع تلبس هذا، ليس هذا من عرفها. فهل يقال للزوج: لا، لابد أن تفعل مثل ما يفعل أولئك؟ الجواب: لا. وإنما هو كما قال الله عز وجل: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾. وهكذا النفقة على الأقارب، وهكذا كذلك المماليك، وهكذا كذلك الأجراء. حتى الأجراء بالعرف، ربما أجرة العامل الذي يحمل الحصير في بلد بأجرة معينة، وفي بلد آخر بأجرة أخرى تختلف. أجرة اليومية كذلك في بلد عن بلد تختلف، فتكون بحسب العرف. وعند النزاع يرجع إلى العرف، كما سينبه عليه المؤلف رحمه الله تعالى. قال رحمه الله: ومن فروعها... ونحن نستفيد من هذا أن الإنسان ينبغي ويحرص على الاهتمام لمعرفة العرف؛ لأنه أمر بالرجوع إليه. لماذا؟ لأن الكثير من الأشياء لا تنضبط إلا بذلك، خصوصا عند الخلاف. ولأنه كذلك يمنع أي: التقيد بالعرف يمنع الفساد، ويمنع كذلك الشحناء والبغضاء، ويمنع الشر. فمن فوائد الرجوع إلى العرف أنه عند الخصومة يرجع إلى العرف، فيكون بذلك الرضا والعدل. مثلا لو امرأة طلبت كسوتين في السنة، وكان العرف بذلك، فلها الحق بذلك. بينما لو طلبت عشر كسوات في السنة، وما كان في عرف الناس ذلك، فإذا ما هو الحل؟ إذا لم يكن هناك أمر بالرجوع إلى العرف، ما يمكن يأتي طالب عشرة والرجل يطالب اثنين. لكن لما أمر بالرجوع إلى العرف، فهو أقرب ما يرجع إليه، وأعدل ما يرجع إليه يحل النزاع. كذلك في الرجوع إلى العرف سبب لإماطة الشحناء والبغضاء والتنافس بين المسلمين؛ لأنه لو صار الباب مفتوحا في التنافس، تنافس الناس التبليغ والإسراف، وكذلك في التفاخر والخيلاء بما يكون فيه الشر في المجتمع. فالمجتمع لا يزال يرتفع في التبذير والإسراف والتنافس في الدنيا. لكن لما أمر الناس بأن يتعامل بما مطبقاه العرف، صار بهذا كذلك رحمة بالخلق. ومن فوائده كذلك الرجوع للعرف، من فوائده أنه كذلك يزيد أسباب الشر أحيانا. بعض الناس ربما يعتاد عرفا خاصا، فإذا جاء إلى بلد أخرى، ينبغي عليه أن يعرف عرف هذه البلد الأخرى. لماذا؟ لأنه إذا لم ينتبه لها، كان شاذا، وهذا الشذود يضره. فمثلا في اللبس والزي، نهى النبي صلى الله عليه وسلم -كما حسنه جماعة من أهل العلم- عن لبس ثوب الشهرة. وثوب الشهرة -كما مر معنا في دروس ماضية- هو الثوب الذي يكون متميزا وموجبا للشذود، سواء أكان ذلك على وجه الفقر والخيلاء بالترفع، أو العكس كذلك بإظهار التزهج ونحو ذلك. كلا الأمرين مذموم، توب الشهرة بالمعنى الأول والمعنى الثاني كلاهما مذموم، ليس بمستحب، بل مكروه، بل بعضها للعلماء حرمته، خصوصا إذا كان يؤدي إلى مثل هذه المفسدة. فمثلا إذا جاءت امرأة -كما قلنا ومثلنا هذا بدروس خاصة بالنساء- لو جاءت امرأة من بلد غير هذه البلد، واعتادت حجابا خاصا، اعتادت حجابا خاصا، هذا الحجاب الخاص في بلدها هو عادة الحجاب في تلك البلد، لكن هنا ليس كذلك. فإذا صارت هكذا تمشي بهذا الحجاب، عرفوا أن هذه هي غريبة، يعني التي ليست من هذا البلد، إنما هي من بلد أخرى. فهل هذا فيه صالح لها أو فيه شر وفساد؟ لا شك أنه يفتح باب شر وفساد عليها؛ فإنها قد تضار من قبل بعض السفهاء إذا علموا أن هذه المرأة هي غريبة، وهذه من بلد أخرى. إذا ذهبت امرأة من هذه البلد إلى بلدة أخرى، وكان الحجاب في ذاك البلد يختلف عن حجاب هذا البلد، وكله حجاب شرعي -نحذر- ليس معنا أن نجاري المجتمع ولو كان على خلاف الشرع، لا. لكن معناه أن نلتزم بالحجاب الشرعي، لكن بما يوافق عرف البلد. مثلا ذهبت من هنا إلى بلدة أخرى، نقول مثلا ذهبت إلى بلدة من بلاد القصيم، هناك حجاب يختلف عن الحجاب عندنا. فإذا لبست الحجاب هذا اليمني هناك، عرفوا هذه اليمنية، زوجة ذلك اليمني. إذا ذهبت إلى السوق، وإذا رجعت، وإذا خرجت، خلاص معروفة. هل هذا يضرها ولا يضرها؟ يضرها؛ لأنه قد يتصلب عليها بعض السفهاء إذ عرفوا شخصيتها. لكن إذا لبست حجابا مثل حجابهم، هل ستعرف؟ لا، ما ستعرف. ستضيع بين كثير من النساء يلبسن هذا الحجاب. وبهذا تأمن على نفسها. لكن إذا كان هذا الحجاب يخالف الشرع، ليس معناه أننا نجاري المجتمع بما يخالف الشرع، لا. فالحد بيننا وبين العرف الشرع. وهكذا سائر الأعراف الأخرى، ربما في بلد تجد المرأة تبيع وتشتري عادي، أن تبيع وتشتري. مع أن الأفضل في حقها ماذا؟ الأفضل في حقها أن لا تفعل ذلك؛ لأن صوت المرأة -ولو كان ليس بعورة- لكنه فتنة، وقد أمرت المرأة بغضه، حتى أنها في الصلاة أمرت بماذا؟ بالتسبيح أو بالتصفيق، حفاظا على صوت يا الذي هو فتنة، حتى لا يسمعه الرجال الأجانب فيكونوا بذلك فتنة في الصلاة. فصوت المرأة فتنة، ولكنه ليس بعورة. فإذا احتاجت تكلمت، وإذا لم تحتج لم تتكلم. فربما في بلد أخرى المرأة تبيع وتشتري مع الرجل، لكن في بلد آخر ما عرفوا هذا. إذا عرفوا المرأة تأتي هي نفسها ترتجل المواقف وتشتري وتبيع وتكاسر وتفعل، كل أن يحرك يده يقول: هذه المرأة غريبة. هذه المرأة تأتي وتكاسر وتدخل الأسواق وتدخل في الدكاكين بين الرجال، هذا شيء غريب. فربما أثرى هذا أن يقعن فيها. فمثل ذلك يجعلنا أن ننتبه ونراقب العرف. طيب، نكتب بهذا وننتقل إلى الدرس الآخر.