الدرس في القواعد والأصول الجامعة 82، الدرس الثاني والثمانون : من : ( القاعدة الرابعة والأربعون ...فمتى عمل بذلك استحق ما جعل له عليه ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
القاعدة تنص على استحقاق الأجر عند إتمام العمل وتطبيقه على الإيجارة والجعالة. يُوضح أن إتمام العمل شرط لاستحقاق الأجر.
يجب دفع الأجر بقدر العمل المنجز عند الانقطاع لعذر، مع مراعاة العرف وعدم الإضرار بأحد الطرفين. التفصيل يختلف حسب مصدر العذر.
الإيجار بحسب المنفعة، والمستأجر يدفع أجرة المدة التي استفاد منها. كما يُناقش استحقاق الوقف والوصية بناءً على الأعمال المحددة.
يُحذر من أكل أموال الوقف بغير حق ويؤكد على ضرورة تقوى الله في التعامل معها. يُشدد على عدم جواز استغلالها دون القيام بالواجبات.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الملف رحمه الله تعالى: القاعدة الرابعة والأربعون: «إذا أدى ما عليه وجب له ما جعل له عليه». ومعنى هذه القاعدة أنه يستحق المرء ما يستحق من أجره بقدر العمل إذا أدى ما عليه وجب له ما جعل له عليه. وهذه القاعدة قاعدة فرعية، وضابط من الضوابط في باب الإيجارة والجعالة. قال رحمه الله تعالى: وهذا شامل للأعمال والأعواض، الأعمال مثل ما يكون في الإيجارة ونحوها، والأعواض ما يكون في الجعالة وما كان بمعناها. قالت: الأجير على عمل، والمجاعل عليه إذا عمل ذلك العمل وكمله استحق الأجر المسمى والجعل المسمى. الأجير على عمل إذا استأجرت إنسانًا على عمل معين، كنقل بسيارة مثلًا، أو كذلك بناء ونحوه، أو المجاعل اتخذت بينك وبين إنسان عقد في عمل معين على أن تعطيه عوضًا، فيقول: إذا عمل ذلك العمل وكمله استحق الأجر المسمى والجعل المسمى. فإن لم يقن بما عليه، وهذا ظاهر، فإن لم يقن بما عليه لم يستحق في الجعالة شيئًا؛ لأن الجعالة عقد جائز، وقد جعل الجعل لمن يكمل له هذا العمل، فالجعل يجعل للعمل كاملًا، والأجرة يجعل للعمل كاملًا أو مبعضًا. فمثلًا تقول: من يأتي بناءتي الضائعة فله عندي كذا وكذا، هذا ما يسمى إيجارة، هذا يسمى جعلًا. ذهب الرجل فتعب يبحث عن الناقة الضائعة يوم ويومين وثلاثة وأربعة وعشرة أيام ورجع ولم يجد شيئًا، هل له شيء من الأجرة؟ ليس له شيء من الأجرة؛ لأن عقد الجعل على هذا المعنى إذا استوفى ما طلب منه له جعله، وإذا لم يستوفي ما جعل له ما طلب منه ليس له ذات الجعل. قال رحمه الله تعالى: فمتى لم يكمله لم يستحق شيئًا. وأما الإيجارة فإن ترك بقية العمل أي العدر، وإن قال قائل: ما هو الدليل على هذا؟ الجواب: الدليل على هذا «المسلمون على شروطهم»، المسلمون على شروطهم، وهم اشترطوا شرطًا لا يخالفوا كتاب الله ولا سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وجرت به العاد والعرف، فوجب إمضاؤه والوفاء به؛ فإن ذلك من الوفاء بالعهود والعقود. قال: وأما الإيجارة فإن ترك بقية العمل لغير عدر فكذلك لا يستحق شيئًا. وفي هذا خلاف، إن ترك بقية العمل لغير عدر، يقول: لا يستحق شيئًا. وقال: وإن كان العدر وجب من الأجرة بقدر ما عمله. وكذلك لو لو تلفت العين المؤجرة المعينة. بعضهم يقسم المسائل إلى ثلاثة أقسام، فيقول: أولًا مسائل مسائل الإيجارة إما أن يكون انقطاع الإيجارة لغير عدر، وإما أن تكون بعدر، وإما أن تكون لتلف العين المؤجرة، هذه ثلاثة مسائل. أما المسألة الأولى: إن ترك بقية العمل لغير عدر، فكما ذكر المؤلف رحمه الله أنه لا يستحق شيئًا، وهذا إذا كان تركه لغير عدر بما فيه إضرار على هذا الرجل الذي استأجر. وأما إذا كان ليس فيه إضرار، وبإمكاني أن يكمل العمل، فيخصم من أجرته بقدر من يكمل العمل. مثلًا استأجرت أجيرًا على أن يبني لك جدارًا بعشرة آلاف، ثم ترك مواصلة العمل، وقال: اعطني أجرتي في هذا العمل، أنت تقول له: بين وبينك شرط أن تكمل العمل لك بعشرة آلاف، أما الآن وأنت تركت من غير عدر، ما علمتك مريضًا ولا أني ظلمتك بشيء أو آذيتك بشيء، فالواجب عليك أن تكمل. قال: ما أستطيع، ما أريد أن أكمل، فهل يستحق شيء؟ الصحيح أنه لا يبخص، فينظر من يكمل هذا العمل، فإن لم يجد ما يكمل إلا مثلًا بعشرة آلاف فليس له شيء، فإن وجد من يكمل العمل بأقل من ذلك فله الفارق، له الفارق. وجد من يكمل العمل بثمانية آلاف، كم سيكون للعامل؟ سيأخذ الألفين وهكذا. وهذا لأن الأصل في الأموال الحرمة، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، ولا يخل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه، فإذا كان كذلك فلا يجوز لأحد الطرفين أن يأخذ من مال أخيه بغير حق، وهذا هو العدل. والله تعالى أعلم، وهذا هو أحد الأقوال في المسألة، وهو الذي يرجح شيخنا شيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى. وأما الفرع الثاني أو القسم الثاني: إذا كان انقطاع العمل لعدر، فيقول: وإن كان لعدر وجب من الأجر بقدر ما عمله، وهذا لا إشكال فيه. لكن هنا يأتي تفصيل: هل هناك فرق ما إذا كان العذر من جهة العامل أو كان العذر من جهة المالك؟ الصحيح أنه لا فرق إلا إذا كان في ذلك إضرار على أحد الرجلين. فإن كان هناك إضرار على أحد الرجلين فيلزم الوفاء بالشرط «المسلمون على شروطهم». وقال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة بالصحيحين: «من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل»، إن كان مئة شرط، مفهومه إذا لم يخالف الشرع فهو شرط صحيح يجب الوفاء به. فمثلًا من العذر الذي يكون من أحد الطرفين وما فيه إضرار بالآخر، مثلًا أن يعتذر صاحب العمل المالك لعذر إما لسفر أو مرض أو غير ذلك، ويطلب من العامل أن لا يكمل، العامل يتفق معه مثلًا بعشرة آلاف أن يبني له هذا الجدار، بعد أن عمل عملًا قليلًا قال له: توقف، كم عملت لك هذا العمل؟ هذا أجرتك للعمل الذي عملت والباقي خلاص، أنا مشغول أو أنا صار لي عذر وسأسافر أو نحو ذلك. فإن كان العرف قضى بأن هذا الرجل قد أخذ كما يقال مقاولة، فرد بذلك أعمال أخرى فحصل عليه به ضرر، فهنا يعطى ما يقضى بالعرف، يعني يكون صلح ليس فقط أجرة اليوم أو اليومين أو ما بنى من الجدار بأن يجزأ أجزاء أخماس أو أعشار، فينظر كم بنى فيأخذ. أما إذا كان فيه ضرر عليه فإنه يرجع في ذلك إلى العرف، يرجع في ذلك إلى العرف، فيكون عند ذلك بما قضاه العرف. فمثلًا إذا قضى العرف أن المتراجع عن العمل يدفع نصف العمل، وهذا في عرف كثير من الأعمال، إنسان أخذ مقاولة ثم قطع المقاولة ما أراد المواصلة، يقضون بأن عليه نصف العمل، هذا في بعض عرف الناس، أو ثلث العمل على حسب العرف، والعرف يعمل به إذا لم يخالف نصًا من الشرع. وهكذا كذلك إذا كان العكس، إذا كان العذر من العامل وكان كذلك في إضرار على هذا المالك، كان عنده عذر صحيح وهو أنه مريض ما استطاع أن يواصل، ما استطاع العامل أن يواصل العمل، لكن هذا الرجل المالك يعلم أن إتيانه بعامل جديد يعني زيادة في الأجرة. الآن مثلًا عمل نصف العمل، كم يستحق؟ خمسة آلاف، العمل بعشرة آلاف عمل نصف العمل يستحق خمسة آلاف، ثم صار له عذر واعتذر عن تكملة العمل، هذا المالك يعلم أنه إذا أتى الآن بعامل آخر يكمل ما سيكمل له بخمسة آلاف، سيكمل له بأكثر، فإذا كان كذلك فيرجع إلى العرف. فمثلًا في عرف بعض الناس وفي بعض البلاد أنهم يصطلحون في ذلك على النصف، مثلًا العامل الذي سيعمل سيعمل بثمانية آلاف بدل خمسة آلاف، كم الفارق؟ ثلاثة آلاف، يكتسموها نصفين، ماذا؟ منه عنده عذر صحيح، فيكتسموها نصفين، نصفها على العامل ونصفها على المالك. والحالة الثالثة والقسم الثالث: ما إذا حصل تلف للعين المؤجرة المعينة، فإذا حصل لها تلف فعند ذلك كذلك ينظر بما لا يكون فيه ضرر على أحد الطرفين، لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار»، لعموم ذلك «لا ضرر ولا ضرار»، فيسلك فيه ما سبق بمقتضاء العرف الذي لا يخالف الشرع، ولا في ذلك ظلم ولا إجحاف على أحد الطرفين، وهذا أحسن ما قيل في هذه المسائل. والله تعالى أعلم. وبعضهم يذكر تفاصيل ما إذا كان التلف قبل القبض أو كان بعد القبض وقبل الانتفاع أو كان بعد القبض وبعد الانتفاع، فيجعل تفصيلًا على هذه الأحوال الثلاثة. والصحيح أنها جميعًا ينظر فيها بحسب المنفعة، وبحسب كذلك ما لا يقول به ضرر على أحد الطرفين. فمثلًا إذا تلفت العين المؤجرة وقد انتفع الإنسان منها مدة معينة، فلا يجوز له أن يقول: تلفت فليس عليها شيء، الجواب: عليك شيء، كيف استحللت ما لأخيك؟ المسلم رجل مثلًا استأجر بيتًا استأجر بيتًا لمدة سنة، فانتفع في هذه السنة بالبيت لمدة ثلاثة أشهر مثلًا، وبعد هذه الأشهر الثلاثة آل البيت إلى انهيار، يعني كان يكون بيت طين أو نحوه، فخرج المستأجر من البيت. فلا يقول: أنا ما أعطيك شيء، لماذا؟ لأني ما أكملت السنة والشرط الذي بيننا سنة كاملة، وهذا خطأ، بل الصحيح أنه مدام انتفع انتفاع كامل ليس فيه عليه ضرر، يعطيه ثلاث أشهر. فإن كان فيه عليه ضرر، كيف أنه إذا خرج الآن في وسط السنة واستأجر بيتًا فلن يجد بيتًا بما يكون فيه تكملة هذا الإيجار بهذا الموجود، بل سيدفع لسنة كاملة. مثلًا في بعض البلاد خصوصًا إذا كان ازدحام على البيوت، تأتي في نصف السنة تؤجر بنفس أجرة السنة، تأتي في أول السنة أو في نصف السنة تستأجر بنفس أجرة السنة كاملة، فإن كان كذلك فهذا فيه ضرار، إذن لابد من الاتفاق، يحصل صلح بينه وبين المالك. فإن لم يكن فيه إضرار فالعدل أن يعطيه أجرة ما تفع من هذا البيت. ومن باب أولى إذا كان استأجر قبل أن ينتفع وقبل أن يقبض فلا يلزمه شيء، رجل استأجر بيتًا فتلفت هذه الدار قبل أن يقبض الدار وقبل أن كذلك ينتفع بهذه الدار، هل يلزمه شيء من الإيجار؟ الجواب: لا، ما يلزمه شيء من الإيجار، كيف يستحل ما لأخيه المسلم وهو لم ينتفع من هذا البيت شيء، بل ولم يقبضه. وهكذا كذلك إذا حصل القبض ولم يحصل الانتفاع، إذا حصل ولم يحصل الانتفاع فهنا ينظر، إذا كان في هذا القبض إضرار بالمالك فإنه ينبغي أن يعوضه، إن كان هناك تفريط من هذا المستأجر. فإن لم يكن تفريط من المستأجر في الانتفاع وقد قبض ولو لم ينتفع فإنه لا شيء عليه. فإن كان هناك تفريط فعليه شيء؛ لأن بعض الناس قد يقبض ولكن لا ينتفع، فإن كان لم ينتفع بتفريط فعليه، وإن كان غير مفرط فلا شيء عليه. المهم الحكم يدور مع علته، والقاعدة «لا ضرر ولا ضرار» في هذا الباب وفي غيره مما هو في معناه. قال رحمه الله تعالى: ومن فروع هذا الأصل لو شرق استحقاق وصية أو وقف أو نحوها لمن يقوم بعمل من الأعمال من إمامة أو أذان أو تدريس أو تصرف، فمتى عمل ذلك استحق ما جعل له عليه. هذا كذلك يقول: من فروع هذا الأصل لو شرق استحقاق الوصية أو الوقف أو نحوها لمن يقوم بعمل من الأعمال. فلو شرق استحقاق الوصية أو الوقف أو نحوها لمن يقوم بعمل من الأعمال من إمامة وغدانة وتدريس، فمتى يستحق هذه الوصية أو هذا الوقف أو ما كان بمعناها إذا قام بهذا العمل. مثل وقف في إمامة إما راتب أو بيت أو أي شيء آخر، فإذا كان قام بحق الإمامة استحق هذا الوقف، وإذا لم يقم بهذا فإنه لا يستحق هذا الوقف. وهذا باب يحصل فيه التفريط جدًا، وما أكثر الناس الذين يحصل منهم التجاوز لهذه الأمور الدقيقة الشرعية التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة وعمومات الشريعة. فما كان من وصية أو وقف أو ما كان بمعنى الوصية والوقف كجعالة جعل شهري أو مخصص شهري، فإنه لا يستحقه إلا إذا قام بذاك العمل، فإن لم يقم بذاك العمل فإنه لا يستحقه. وهكذا كذلك يقول: وتصرف أو عمل من الأعمال فمتى عمل ذلك استحق ما جعل له عليه، وهذا عام في كل شيء، سواء أعمال دينية أو أعمال دنيوية. قد يكون مثلًا إنسان قائم على وصية أو قائم على وقف، فيقال مثلًا مثل ما يوجد عندنا في كثير من المزارع التي هي وقف، يجعل للقائم على الوقف إما الربع وإما الثلث. فإذا نظرت هل هذا يأخذ الربع بعمل يؤديه يكون فيه انتفاع الوقف أم لا؟ أكثرهم يأكل الربع ولا يعمل شيء للوقف، فإذا بأي حق يأكل هذا الربع أو يأكل هذا الثلث؟ فالواجب أن يتقي المسلم ربه سبحانه وتعالى في هذا الباب. نكتفي بهذا وإلى هنا، والله تعالى أعلم.