الدرس في القواعد والأصول الجامعة 107، الدرس مائة وسبعة : من : (القاعدة التاسعة والخمسون ... أو قرينة حالية على الخصوص والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك شرح القاعدة التاسعة والخمسين للشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي، والتي تتعلق باستعمال النكرة بعد النفي أو النهي. القاعدة تفيد أن النكرة في هذه السياقات تفيد العموم.
المقطع يشرح قاعدة إفادة النكرة للعموم في سياقات النفي والنهي والشرط، ويقدم أمثلة من القرآن الكريم. يبين أهمية هذه القاعدة في فهم العقيدة والفقه وتطبيقاتها المختلفة.
المقطع يبين دلالة النكرة في سياق النفي على العموم ويقدم أمثلة من كلام الواقفين والموصين. يشير إلى تطبيقاتها في أبواب فقهية متعددة مثل الطلاق والأيمان والإقرار.
المقطع يشير إلى انتهاء شرح القاعدة التاسعة والخمسين مع الإشارة إلى قرينة حالية على الخصوص. تم التأكيد على أن الله تعالى أعلم، وبذلك انتهى الشرح للقاعدة المذكورة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي، رحمه الله تعالى: قال: «القاعدة التاسعة والخمسون: قال النفرة إذا كانت بعد النفي أو النهي أو الاستفهام أو الشر، تفيد العموم». قال: «وهذا أصل»، وقال: «وهذه أصول جوامع يدخل فيها أمثلة كثيرة من الكتاب والسنة وكلام أهل العلم». ويريد رحمه الله تعالى أن هذه القاعدة فيها أصول جوامع، وهذه الأصول هي معرفة مواضع العموم. فالنفرة إذا كانت بعد نفي أو نهي أو استفهام، وزاد بعضهم: «أو استفهامًا إنكاريًا» أو «كذلك الشرط»، فإنها تفيد العموم. وهي بالحقيقة من القواعد الأصولية للقواعد الفقهية، ومن المباحث اللغوية للمباحث الفقهية، لكن يستفيد منها الأصوليون والفقهاء؛ لأنهم يحتاجون إلى معرفة مواضع العموم، إذ به يعرف الحكم العام وما ليس بعام من الحكم الخاص أو العام الذي خصص أو نحو ذلك. وهذا مفيد في معرفة الأحكام وثبوتها أو عدم ثبوتها. وم مناسبة إيراد هذه القاعدة في هذا الموضع - والله تعالى أعلم - كونها مرتبطة بالمسائل الفقهية التي سبقت، فالمسائل الفقهية التي سبقت مسائل في أبواب ومباحث متنوعة، فكانت قواعد، وصارت هذه القاعدة والتي بعدها كقاعدة القواعد. ووجهه: أنه بها يعرف العموم من غيره، كيف تنطبق تلك القواعد السابقة في جميع جزئياتها، ولا تنطبق في جميع جزئياتها، ويعلم ذلك بمعرفة العام من غير العام. ولهذا ختم بها هذه القواعد، ختم بهذا - والله تعالى أعلم. ثم قال رحمه الله تعالى: «وفيها أنذرة كثيرة من الكتاب والسنة وكلام أهل العلم»، يعني: مما سبقت من القواعد، وما سيأتي ذكره من الأمثلة، يبين أن مواضع العموم كثيرة جدًا، وأن المعرفة بها مما يحتاج إلى ضبط. ولهذا جعلت له قاعدة خاصة، سواء أكانت لأنها تتناول أدلة الكتاب، وطالب العلم يقف في أدلة الكتاب، فيحتاج أن يميز بين الدليل العام والدليل الخاص، أو أدلة السنة، فيحتاج أن يميز بين الدليل العام والخاص من أدلة السنة، أو كلام أهل العلم المبثوث في كتبهم، يحتاج أن يميز العام منه والخاص. وكل ذلك يحتاج لمعرفة هذه القاعدة. ثم مثل فقال رحمه الله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾، فهذه ثلاث نكرات بعد النفي، يقتضي عموم ذلك. أين النكرات الثلاث؟ بعد النفي: «يوم»، «لا تملك نفس»، والثانية: «لنفس»، والثالثة: «شيئًا». نعم، هذه ثلاث نكرات، ومعنى أن الجميع فيه معنى العموم: «يوم لا تملك نفس» أي نفس أو كل نفس، «لنفس» كذلك أي نفس أو لكل نفس، «شيئًا» أي شيء أو كل شيء. فكلها نكرات في سياق النفي أفادت العموم. قال: «فهذه ثلاث نكرات بعد النفي يقتضي عموم ذلك»، عموم ذلك وأنه أي نفس وإن عظم قدرها عند الله، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ولا كذلك ولي مكرم، ولا مرسل. وأنه أي نفس وإن عظم قدرها عند الله لا تملك لأي نفس وإن اشتد اتصالها بها شيئًا، حتى لو كان أقرب قليل، لو كان ولد نبي، فإنه لا تملك نفس لنفس شيئًا. نوح عليه الصلاة والسلام قال عن ابنه: «إنه من أبني، إنه من أهلي»، قال الله عز وجل: «إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح»، فلا تسألني ما ليس لك به علم. ونبي عليه الصلاة والسلام يقول: «يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئًا»، «يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا»، «يا عباس عم رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا». وهو رسول الله عليه الصلاة والسلام لا يملك لأقرب الناس إليه شيئًا، ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ وإن اشتد اتصالها بها. وقوله: «شيئًا» قال: من المنافع أو دفع المضار، قليلًا كان أو كثيرًا، يعني: لا يملك شيء، الأمر كله لله سبحانه وحده، لا يملك قليل ولا كثير، فالأمر كله لله. قال: وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، الأول نفي: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ﴾ نفي، ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ هذا نهي. وأين النكرة في سياق النهي؟ أين النكرة؟ «أحدًا». نعم، «أحدًا» نكرة في سياق النهي، فأفاد العموم، يعني: أي أحد وكل أحد، فلا يدعى شيء، لا حجر ولا شجر، ولا نبي ولا رسول، ولا ملك ولا ولي، ولا غير ذلك. قال: وقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضَرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾، وهذا شرط، نكرة في سياق الشرط، فهي كذلك تفيد العموم. وأين النكرة في سياق الشرط؟ هيا يا أبا إبراهيم: «الضر» و«الخير». نعم، «الضر» و«الخير» نكرة في سياق الشرط، فأفادت العموم. وإن يمسسك الله بضر أي ضر وكل ضر، قليل كان أو كثير، لا يكشفه إلا الله. وأي يردك بخير أي خير قليل أو كثير، لا يأتيك إلا من الله. وهذا يوجب التعلق بالله سبحانه وتعالى وحده، فهو مفيد، معرفة هذه القاعدة مفيد جدًا في العقيدة والفقه والأصول، ومعرفة كلام أهل العلم. قال: «وأمثلتها في كلام الواقفين والموصين»، أتى بمثال النفي والنهي والشرط. ومن يأتين بمثال الاستفهام؟ «هل من خالق غير الله»؟ استفهام إنكاري، يقول كثير من أهل الأصول: أن نكرة في سياق الاستفهام، ويقيده بعضهم فيقول: أن نكرة في سياق الاستفهام الإنكاري. وإذا تأملت وجدت أن إفادة العموم غالبًا يكون في الاستفهام الإنكاري. «هل من خالق غير الله» هذا استفهام مجرد أو استفهام إنكاري؟ استفهام إنكاري، المراد منه التعجيز والتقرير. ومنه: «هل تعلم له سمية»؟ نكرة في سياق الاستفهام، الجواب: لا، ما يعلم لله سمي أي مسامي أي سمي. وهكذا كذلك غيره من أنواع الاستفهام في سياق: «ماذا» في سياق، أو النكرة في سياق الاستفهام، مثل: «من إله غير الله يأتيكم بضياء»؟ «من إله غير الله» نكرة في سياق الاستفهام، والجواب: «لا إله إلا الله» وحده، هو الذي يأتي بالضياء. قالوا: «أمثلتها بكلام الواقفين والموصين»، يعني: الذي يوقف، فالواقف لو قال: «هذا البيت وقف»، «هذا البيت وقف لا يوقف إلا لفقير»، «فقير» نكرة في سياق النفي، فأفاد العموم. نكرة في سياق النفي أفاد العموم. وهكذا كذلك الموصين، إذا أوصى بوصية فيها لفظ من ألفاظ العموم، فإنها يعمل بها على عمومها. قال: «وفي الطلاق والأيمان والإقرار وغيرها من الأبواب كثيرة جدًا». كذلك الطلاق قد يكون فيه عموم، ويستفاد ذلك من ألفاظ صاحب الطلاق. وهكذا الأيمان، فمثال الطلاق الذي قد يكون فيه عموم، كأن يقول مثلًا: «أبي لفظ لا يدخل هذا البيت أحد من نسائي إلا طلقته» أو «إلا هي طالق»، «نساء» نكرة في سياق النفي، فأفاد ذلك العموم. فكل امرأة تدخل من نسائه فهي تطلق إذا نوى به الطلاق. وهكذا الأيمان، لو حلف يمين بصيغة فيها معنى العموم، فإنه يبقى على عمومه، كأن يقول مثلًا: «والله لا آكل لحمًا»، «لحم» نكرة في سياق النفي، فيفيد العموم. إلا أنه قد تقيد بعض ألفاظ العموم بعرف أو عادة أو قرينة تدل على التقييد، كما أشار إليه. فمثلًا هذا المثال: «اللحم» في عرف الناس في الغالب يطلق على الدجاج وماذا؟ واللحم المعهود من بهيمة الأنعام، فيكون يمينه يجري مجرى العرف. قال رحمه الله تعالى: «والإقرار وغيرها من الأبواب كثيرة جدًا». الإقرار: أن يقضي على نفسه بالغض، ذيه معنى العموم. والأبواب الأخرى الكثيرة مثل النكاح، ومثل البيوع، وغيرها. قال: «فحيث وجدت نكرة بعد المذكورات فحكم عليها بالعموم، إلا إن دل دليل لفظي أو قرينة حالية على الخصوص». مثال دلالة الدليل اللفظي: كان يأتي قبله أو بعده ما يدل على الخصوص، يأتي قبله أو بعده ما يدل على الخصوص. مثاله: كان يقول: «إن جاء زيت فأعطيه»، ثم قال: «لا تعطي رجلًا يأتيك»، وهو يعرف بقرينة اللفظ أنه لن يأتي إلا زيت، فعلم أن قوله: «رجلًا» المراد به زيت. أو قرينة حالية، قرينة حالية تدل على التخصيص، قرينة حالية. مثاله: أن يكون الكلام والسياق في ذكر إنسان معين أو شيء معين، فاللفظ العام يخص بالقرينة الحالية. كما أن اللفظ العام يخص بالقرينة اللفظية. ومر معنا أن التخصيص بالقرينة الحالية قد يكون أحيانًا أقوى من القرينة اللفظية، وأقوى منهما القرينة ماذا؟ العرفية، التخصيص بالقرينة العرفية أقوى من القرينة اللفظية والحالية، كما سبق معنا القاعدة: «ما هي الشرط العرفي كالشرط ماذا؟ اللفظي»، الشرط العرفي كالشرط اللفظي. ولهذا أدلة. قال: «أو قرينة حالية على الخصوص»، يعني: فيحمل على الخصوص. قال: «والله أعلم». وبهذا انتهينا من القاعدة التاسعة والخمسين، وبه ننتهي - والله تعالى أعلم.