الدرس في كتاب الصلاة 35، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ حكم القصر للمسافر المتردد في الإقامة، حيث أوضح أن من يجزم بالإقامة لعشرين يوما أو أكثر يتم الصلاة، ومن كان مترددا يقصر الصلاة.
يشرح المقطع شروط القصر في السفر، حيث يرى أن من كان مترددا في سفره ولم يستقر في مكان معين فإنه يقصر الصلاة، أما من كان عازما على الإقامة لفترة طويلة فإنه يتم الصلاة.
يُناقش المقطع حكم قصر الصلاة في منى، ويُبين أن قصر النبي للصلاة لم يكن بسبب السفر بل لنسق خاص، وأن المسافة بين مكة ومنى لا تعتبر سفرًا.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، مر معنا في كلام المؤلف -رحمه الله- مجموعة من مسائل، قال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: ويجب القصر على من خرج من بلده قاصدا للسفر، هذه المسألة الأولى ومرت معنا، قال: وإن كان دون دريد، وهذه المسألة الثانية، وكذلك مرت معنا، والخلاف خلاف أهل العلم فيها، وأن الصحيح العذرة بما كان في العرف، فما سمي في العرف سفرا فهو سفر، فإذا اختلف العرف فيرجع في ذلك إلى ما سمي في الشرع سفرا، ما سمي في الشرع سفرا فإنه عند الاختلاف يقضى بما سمي في الشرع سفرا. وأما المسألة الثالثة، قال -رحمه الله تعالى-: وإذا أقام ببلد مترددا فصبر إلى عشرين يوما، وقوله: إذا أقام ببلد مترددا، ظاهر اللفظ العموم، بينما في الشرح أظهر كلاما خلاف هذا الظاهر، والصحيح -والله تعالى أعلم- أن المتردد الذي يجزم بإقامة عشرين يوما فأكثر، هذا هو الذي يتم، يعني أنه جزم أنه سيجلس أكثر من عشرين يوما، فهذا يتم، ودليله ما أشار إليه -رحمه الله تعالى- لما جاء بحديث جابر بن عبد الله في الصحيح، أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قصر تسعة عشر ليلة، يعني في مكة، أو ثمانية عشر، وهكذا كذلك جاء أنه قصر بتبوك عشرين ليلة، وهذا الحديث والآخر يدل على أن أقصى قصر ثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- هو هذا العدد. فلأجل هذا قال من قال من أهل العلم: من جزم أن يقعد أكثر من ذلك، من جزم أن يقعد أكثر من ذلك، فالأحوط بحقه أن يتم، الأحوط بحقه أن يتم، بخلاف الذي ما يدري، يجلس عشرين يوما، أقل من عشرين يوما، ما يدري، عنده معاملة في بلد، ما هذه المعاملة يظنها ثلاثة أيام، يظنها أربعة أيام، يظنها أكثر، لا يدري، فاستمر به الأمر أشهر، فيتم في القصر. وعلى هذا يحمل ما جاء في الآثار عن عبد الله بن عمر وغيره من التابعين، من الصحابة أو التابعين، في أنهم قصروا أكثر من هذه المدة، فما جاء عن عبد الله بن عمر أنه قصر قرابة ستة أشهر، كان سببه الثلج، فإنه كان -كما ذكر في الآثار- يخرج كل يوم يتسبب، يأخذ بالسبب، يخرج كل يوم يرجو أن يجد سبيلا للسفر فلا يجد سبيلا فيرجع، ثم يخرج ينظر هل يجد سبيلا للسفر فلا يجد فيرجع، حتى قعد ستة أشهر. فمن كان كحال عبد الله بن عمر، فإنه يقصر ولو سنة، ولو سنتين، ولو سنة أو سنتين، كالمجاهدين الذين يخرجون للجهاد، أو كذلك المسافر الذي يخرج لحاجة تطول به، كأن يبحث مثلا عن غريم أو نحو ذلك، فمثل هذا ولو طالت المدة أكثر من هذا العدد، فإنه يستمر في القصر. أما من كان جازما أنه سيقعد أكثر من هذه المدة، فإنه يتم، وهذا هو الأحوط، وهو الذي دلت عليه الأدلة بعموماتها، وهو كذلك فهم عبد الله بن عباس، كما أشار إليه المؤلف -رحمه الله-، ولأنه به ينضبط الناس في عباداتهم، ولو قيل: إنه لا حد للسفر، فكان ذلك سببا لتضييع العبادات على الناس. فمن قال: إن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يفتي مطلقا بالقصر ولو سنين، فقد أخطأ، ما فهم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما حققه جماعة من أهل العلم، فإن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إنما هو في حق المتردد، أما من علم أنه يستقر، مثلا هذا يذهب للعمل في الغربة سنة، سنتين، ثلاث، كيف يجوز أن نقول: إن مثل هذا يقصر ولو غاب عشر سنوات وهو يقصر؟ هذا ليس بصحيح، لأنه يعرف نفسه أنه مقيم، وحاله حال المقيمين. وهكذا من يذهب للدراسة في كلية من الكليات لمدة أربع سنوات أو سنتين، أو يذهب للعمل في البحر في مكان معين، يعرف نفسه أنه سيقعد في هذا المكان شهرين أو أكثر، فمثل هذا لا شك أنه يتم، لا شك أنه يتم. أما من كان مترددا، مثل بعض الصيادين يذهب إلى بعض الأماكن، ما يدري، يجرب، إذا وجد -كما يقولون- الرزق مناسبا استقر، وإذا لم يجد فإنه يرجع أو ينتقل إلى مكان آخر، فما دام مترددا فإنه يستمر في القصر، فإذا عزم على البقاء فإنه يتم، متى عزم على البقاء والاستقرار، وعلم أن المدة سيقعد بها أكثر من هذه المدة، فإنه يتم، هذا هو الصحيح والأحوط في هذه المسألة. قال -رحمه الله-: أما كونه إذا عزم على إقامة أربع أتم بعدها، هكذا قال في الشرح، وذكر بعض الأدلة، وقال في المتن: وإذا عزم على إقامة أربع أتم بعدها، واستدل -رحمه الله- على ذلك بحديث جابر بن عبد الله في الصحيحين، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قدم مكة صبيحة رابعة منذ الحجة، فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، يعني قصر هذه الأيام الأربعة. واستدل أكثر أهل العلم على أن من أقام وعد من أقام أربعة أيام فإنه يتم، واستدل بهذا الحديث، والصحيح أن هذا الحديث ليس به دليل، لماذا؟ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علم أنه سيقعد أكثر من ذلك، فهو علم أنه سيقعد في منى أكثر من أربعة أيام، فإذن ليست أربعة أيام هي الحد الذي به يكون الإقامة. لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- استمر في القصر في مكة وفي منى، وإنما يصح هذا القول كما أشار إليه الشوكاني وغيره من أهل العلم، إذا اعتبرنا أن بين مكة ومنى سفرا، فيكون ما بين مكة ومنى سفرا جديدا، فتكون أربعة أيام في مكة عزم على البقاء، فإذا كان أكثر فإنه يتم، يعني إذا عزم على البقاء أربعة أيام فأكثر فإنه يتم، وهذا القول هو قول مرجوح، وقد رجح خلاف ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وتلميذه ابن القيم، وهو الصواب. فالصواب في هذه المسألة أنها تلحق بالتي قبلها، فمن عزم على البقاء أكثر من عشرين يوما فإنه يتم، ومن لم يعزم على البقاء بل كان مترددا فإنه على القول الصحيح يستمر في القصر، يستمر في القصر ولو جزم أنه سيقعد أكثر من أربعة أيام. وأما حديث جابر فليس صريحا في الدلالة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- استمر في القصر ما بعد هذه الأيام الأربعة في منى، والصحيح أن المسافة ما بين مكة ومنى ليست بسفر، هذا هو الصحيح. وأما ما جاء عن عبد الله بن عباس أنه قال: «لو قريت ميلا قصرت الصلاة»، فهو محمول إذا كان في عرف الناس يسمى سفرا، إذا كان في عرف الناس يسمى سفرا، والصحيح أن ما بين مكة ومنى لا يسمى سفرا لا في العرف ولا في الشرع، وأن القصر في منى كان ليس لأجل السفر، ولكن كان لأجل النسق. الحمد لله رب العالمين.