الدرس في كتاب الزكاة 13، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتم تعريف صدقة الفطر وبيان حكمها الشرعي، حيث أنها واجبة على كل فرد مسلم وتجب على سيد العبد ومنفق الصغير، وتخرج قبل صلاة العيد. وهي طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين.
يتم شرح مقدار صدقة الفطر وهو صاع من القوت المعتاد، وأن الأصناف التي تخرج منها كانت ستة في زمن النبي. كما يتم مناقشة اختلاف العلماء حول جواز إخراج نصف صاع من الأصناف الثمينة.
يتم تناول تفاصيل أحكام زكاة الفطر مثل جواز إخراجها من غير الأصناف المذكورة في الحديث النبوي، وإخراج الدقيق منها، ومسؤولية الإنفاق على المُعالين وعلاقته بصدقة الفطر.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشوكاني رحمه الله تعالى: «باب صدقة الفطر»، قال: «هو صاع من القوت المعتاد عن كل فرد، والوجوب على سيد العبد ومنفق الصغير ونحوه، ويكون إخراجها قبل صلاة العيد، ومن لا يجد زيادة على قوت يومه وليلته فلا فطرة عليه، ومصرفها مصرف الزكاة». هذه مجموعة من المسائل أوردها رحمه الله تعالى في هذا الباب «باب صدقة الفطر». وقوله «باب صدقة الفطر» أي هذا مدخل لمعرفة أحكام صدقة الفطر، فالباب لغة ما يدخل منه ويخرج، والمراد به الدخول والخروج المعنوي، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام صدقة الفطر. و«صدقة» مفرد «صدقات»، والفطر المراد به عيد الفطر، وسميت بذلك لتسمية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لها بذلك. وقد جاء في تفسير قول الله جل وعلا ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ عن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز رحمهم الله أن المراد بها زكاة الفطر، وهذا من التفسير ببعض المعنى. ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم بتفسير هذه الآية. والحكمة من فرضها كما جاء عند ابن ماجة وغيرهما عن عبد الله بن عباس بإسناد حسن، قال: «فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين»، فهي طهرة للصائم من اللغو والرفث إذا وقع من الصائم شيء ينافي الصيام فطهرته وكفارته أن يؤدي هذه الصدقة. فإن قيل: هذا بحق من يصوم، فكيف بحق من لا يصوم؟ الجواب: دخلوا بالتغليب، والشرع قائم على الاتباع لا على الرأي، فالمسألة تعبدية تعبدنا الله عز وجل بذلك، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فنحن نستجيب. وأشار رحمه الله بالشرح إلى المسألة الأولى، وهي مقدار صدقة الفطر، قوله: «وهو صاع من القوت». وأشار إلى حديث ابن عمر في الصحيحين: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين». وهكذا بمعناه جاء في حديث أبي سعيد أنه قال: «كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب أو صاعا من أقط». والحديث في الصحيحين. فهذه ستة أصناف كانت تخرج في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، كلها يخرج منها صاع. واختلف أهل العلم هل يجوز نصف صاع من الشيء الثمين والجيد؟ أجاز ذلك جماعة من أهل العلم، وما إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ونظر إلى حقيقة أثمان هذه الأطعمة، فما كان منها مكلفًا فيجوز أن يكون نصف صاع. والصواب ما أشار إليه أبو سعيد رضي الله عنه في الحديث المتقدم، وأنه يخرجه كما كان يخرجه في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، يعني كل القوت الغالب المعتاد يخرج صاعًا، سواء كان مكلفًا أو لم يكن مكلفًا، لا فرق. وهذا هو الأحوط. وقوله رحمه الله «من القوت المعتاد»، أشار بهذا إلى مسألة وقع فيها الخلاف، هل هذه الصدقة محصورة بهذه الأصناف المذكورة أم يشملها سواها؟ الصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم، وكان عليه قول عامة الصحابة، أنه يخرج من غالب قوت البلد المعتاد. ويؤيده قصة أبي سعيد هذه، فإن أبا سعيد إنما أنكر أن يخرج نصف صاع، ولم ينكر أن يخرج من غير الأصناف المذكورة. فلما جاءوا إلى الشام ورأوا السمراء، رأى معاوية رضي الله عنه أن يخرج منها نصف صاع، فهو لم ينكر عليه إخراج السمراء، ولكن أنكر عليه أن يخرج نصف صاع، فدل ذلك على أنه يجوز أن يخرج من غير الأصناف المذكورة. وهل يجوز أن يخرج من هذه الأصناف ومن غيرها من القوت المعتاد دقيقًا؟ الصحيح أنه يجوز، وألمح إلى ذلك ابن القيم رحمه الله في كتابه «الإعلام»، فيجوز أن يخرج من هذه الأصناف ومما هو بمعناها، ويجوز أن يخرج من دقيقها كذلك. وقوله رحمه الله «عن كل فرد» لقول النبي عليه الصلاة والسلام بحديث عبد الله بن عمر المتقدم «من المسلمين»، فهو يشمل كل فرد، بل الصغير والكبير والذكر والأنثى والحر والعبد. ويؤيده ما جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على المسلم في عبده وصدقته صدقة إلا صدقة الفطر»، ودل ذلك على أن العبد عليه صدقة الفطر، وصدقته تكون على من يمونه، يعني من ينفق عليه. وبه نعرف صحة ما روي موقوفًا عن عبد الله بن عمر، وروي مرفوعًا ولم يصح، فصحح الحاكم الموقوف، أي عن ابن عمر في قوله: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون»، يعني ممن تنفقون عليهم، فمعناه أن كل من تنفق عليه يلزمك الصدقة. فإذا كان كذلك، فإذا وقعت النفقة في شهر رمضان، الصحيح أن الأحوط كذلك تتصدق عنه، تخرج زكاة الفطر عنه؛ لأن هذا الحق والواجب هو لهذا الشهر. مثاله: لو أنك تكفلت بالنفقة على أحد أبناء أخيك في هذا الشهر لسبب من الأسباب، سافر هذا الأخ أو غير ذلك، فأنت أنفقت عليه ورضيت أن تتحمل واجب الإنفاق، فكذلك عليك واجب صدقة الفطر، إلا أن يشترط أبوه أو تشترط على أبيه. نقف عند هذا الحد، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.