الدرس في كتاب الجهاد 14، تابع 27-باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل صبر النبي صلى الله عليه وسلم على أذى المشركين ودعوته إلى الله بالحكمة والبرهان. يشير إلى أهمية الصبر في نصرة دين الله والجهاد في سبيله.
يركز هذا الفصل على أهمية الدعوة إلى الله بالحجة والبرهان، ويبين أن الحجة والبرهان هي الأصل في الدعوة وليس جهاد السيف والسنان دائمًا. كما يتطرق إلى الإيمان بالملائكة وأهمية الصبر على الأذى.
يتناول هذا الفصل ابتلاء النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ويشرح أن الله يمتحن عباده وأنبياءه ورسله لرفع درجاتهم. يذكر قصة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر في الغار كدليل على الثقة بالله في الشدائد.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، تتمة لما سبق، مما يذكر في الحديث السابق، في الحديث علم من أعلام نبوته، ودليل من دلائل صدق رسالته عليه الصلاة والسلام، إذ كل من دعا عليهم قتل، وعاقبه الله جل وعلا بأيدي المسلمين، ومات على الكفر، فكان هذا فيه موضع من مواضع دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. فقد أجاب الله دعوته، وانتصر لنبيه عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين. ولهذا قال في آخر الحديث: «فوالذي نفسي بيده لقد رأيت الذين عد رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعى في القليب، قليب بدر»، يعني حين قتلوا ورموا في هذا القليب. قال رحمه الله: حديث عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: «هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك، لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت»، ومعنى قومك يعني قريش ومن حولهم، قال: «وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يآليل - ابن عبد كلال - فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليه، فقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا». قال: «أخرجه البخاري بكتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء». قال: حديث جندب بن سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بعض المشاهد، وقد دميت إصبعه، فقال: «هل أنت إلا أصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت». قال: «أخرجه البخاري بكتاب الجهاد والسير، باب من ينكب في سبيل الله». قال: حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه قال: «اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين أو ثلاثا، فجاءت امرأة فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قريبك منذ ليلتين أو ثلاث. فأنزل الله عز وجل: ﴿والضحى ١ والليل إذا سجى ٢ ما ودعك ربك وما قلى ٣﴾». قال: «أخرجه البخاري بكتاب التفسير، سورة والضحى». قال: باب حدثنا أحمد بن يونس. أورد المؤلف رحمه الله هذه الأحاديث الثلاثة كذلك في بيان ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين. حديث عائشة أخرجه البخاري بالباب المشار إليه، فقال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: حدثني عروة فذكر عن عائشة الحديث بلفظه. وحديث جندب أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عوانة عن الأسود عن قيس عن جندب فذكره بلفظه. والحديث الذي بعده أخرجه البخاري في باب حدثنا أحمد بن يونس فذكره كذلك بلفظه. وهذه الأحاديث تدل على ما سبقت الإشارة إليه مما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من الصبر في ذات الله ونصرة دين الله. وفي هذا تسلية للمقاتلين والمجاهدين في سبيل الله أن يصبروا على ما يصيبهم من أذى، فقد أصيب من هو خير منهم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيه من المسائل كذلك ما ينبغي أن يحرص عليه أهل الإسلام من منابذة الكافرين بالحجة والبرهان قبل منابذتهم بالسيف والسنان، وهذا كان أمر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه كذلك صبره عليه الصلاة والسلام في دعوة الناس. وحقيقة الإسلام هو الاستسلام لله عز وجل، فالجهاد في سبيل الله جهادان: جهاد بالسيف والسنان، وجهاد بالحجة والبرهان، والأصل هو الجهاد بالحجة والبرهان. ولهذا كان هذا هو مفتتح دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإذا لم يتحقق ذلك ولم يندفع الشر إلا بالسيف والسنان فإنه ينتقل إليه. ومن الدعوة بالحجة والبرهان ما قد لقي النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها هذه الأحاديث، وهذا يسلي أهل الخير والداعين إلى الله وحملة العلم على الصبر. وكذلك أن يعلم أنه لا يفرق بين هذين الجهادين، بل القائم بهما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكون مثلا طائفة تظن أنها تعتزل بعضا من الدين وتأخذ بعضا، وربما يعزل ذاك بمعنى أنه ينفى من الناحية العلمية والعملية، فهذا خطأ. والصواب أننا ندخل في هذا الدين من جميع أبوابه وجوانبه، وأسوتنا في هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبه نعرف كذلك خطأ من يعزل العلم والتعليم والدعوة ويظن أن هذا الباب ينحصر بجهاد السيف والسنان، وهذا خطأ. بل الصواب أن كلا الأمرين فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا إليه ديننا. والسيف والسنان ليس هو المقدم، بل المقدم الحجة والبرهان، ويفتح الله به ما لا يفتح بالسيف والسنان. ومن تتبع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وجد أشياء كثيرة، ومنها هذه الأحاديث. وفيه كذلك من المسائل إثبات الملائكة، فمن الإيمان بالله الإيمان بملائكته. فنحن نؤمن بهم إيمانا مجملا ومفصلا كما أخبرنا الله جل وعلا عنهم في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. ومن ذلك نؤمن بجبريل، وما جاء في وصفه في الأحاديث الكثيرة، ونؤمن بملك الجبال وما جاء في وصفه، ونؤمن بكل ملك أخبرنا به جملة وتفصيلا. فهذا من الإيمان بالله، وفي هذا الحديث إشارة إلى هذا المعنى، ومنه أعمالهم التي وكلت بهم، فمنهم من هو موكل بالجبال، ومنهم من هو موكل بالبحار، ومنهم من هو موكل بقبض الأرواح، وغير ذلك من أعمالهم. ومنها كذلك تفاصيل أعمال بعضهم، ومنها بواب البخاري باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء، ففيه إثبات وجود ملائكة في السماء، فهناك ملائكة في السماء، وهناك ملائكة تنزل إلى الأرض وتحضر الصلاة مع المصلين، وهناك ملائكة تؤمن مع تأمين الإمام كما صح معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث، فكل ذلك نؤمن به. وإيماننا به لا يستلزم أن نعرف حقيقته وكنهه، فنحن نحيل ما لا نعلم إلى عالمه، فما كان من الغيب نحن لا نعلمه، فالله عز وجل أعلم به. لكن لأنه خبر عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنعلم أنه حق، فنصدق به ونؤمن به جملة وتفصيلا. وفيه من المسائل كذلك إخبار عن هذا العالم الغيبي، عالم الملائكة وما وراء هذه الدنيا التي نشاهدها، فنحن في عالم الشهادة لا نعلم من الغيب إلا ما أعلمنا الله وأطلع الله عز وجل من يشاء من عباده على بعض ذلك الغيب، وهو من حولنا. فنحن نؤمن بأن هناك عالما حولنا لا ندركه ولا نعرف كنهه، أعلم الله عز وجل من يشاء من عباده. ومنه ما في هذا الحديث، فالسحاب الذي نراه ولا نرى فيه شيئا لا يستلزم ألا يكون معه ملك، فقد صحت الأحاديث أن هناك ملائكة تسوق السحاب وتضرب كذلك بما يكون من أمر الله، فيكون ما يكون من إمطار الأمطار أو غير ذلك. ولا ينافي هذا ما قد تثبته العلوم المعاصرة من بعض الأسباب الحسية، فلهذه الأسباب الحسية أسباب أخرى هي من الغيب الذي لا نعلمه. فنحن نؤمن بهذا ونعلم أن الله عز وجل جعل أسبابا حسية يشاهدها هذا الإنسان، وخلف هذه الأسباب ما لا نعلمه من الغيب. فما أعلمنا الله به فهو حق وصدق نؤمن به، ما دامت قد صحت به الأخبار. وما لم نعلم نرد علمه إلى عالمه، وهو الله سبحانه وتعالى. وفيه من المسائل كذلك صبر الداعي على المخالفين، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا»، مع ما لقي من أذى المشركين. وقد سمعنا في الحديث الذي قبله بعض ذلك، وهو قليل من كثير مما لقي المسلمون من المشركين. والحديث الذي بعده فيه كذلك بعض ما بلي به النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك حين أدميت إصبعه عليه الصلاة والسلام. بل وما سبق في غزوة أحد وما ذكر في باب غزوة أحد يدل على أنه بلي عليه الصلاة والسلام بلاء عظيما في هذا الباب. وفي تبويب البخاري باب من ينكب في سبيل الله، يعني فيحتسب ذلك لله. وفي هذا كذلك ما تقدم تسلية للمقاتلين والمجاهدين في سبيل الله أن يصبروا على ما يصابون به ويبتلون به، فلهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة. وفي هذا البيت قول النبي صلى الله عليه وسلم للشعر، وقد اختلف أهل العلم في هذا ونسبة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: إنه قاله حكاية، وقيل: أن قول البيت لا ينافي كونه ليس بشاعر عليه الصلاة والسلام. وكل الأمرين صحيح، سواء قيل: إنه قال بعض الأشعار حكاية، وهذا قد صحت به أحاديث، أو قال ذلك مرتجزا. وقول البيت لا يستلزم أن يكون به إثبات معنى قول الشعر، فإن هذا لا ينافي النفي في هذا الموضع. مثله ما نقل من أميته عليه الصلاة والسلام، فهو أمي عليه الصلاة والسلام لا يقرأ ولا يكتب، ولا ينافي أميته عليه الصلاة والسلام أنه يعرف بعض الكلمات. وبهذا تجتمع الأدلة الواردة في هذا الباب. وفي الحديث الذي بعده كذلك فيه ما تقدم من ابتلاء النبي صلى الله عليه وسلم، وأن البلاء تارة يكون بالأذى الحسي، وتارة يكون بالأذى المعنوي، ومنه السب والشتم والتنقص وغير ذلك. وفيه كذلك أن الله عز وجل قد يمتحن عباده وأنبياءه ورسله عليه الصلاة والسلام مع شدة الكفار وأذيتهم، بما قد يكون زيادة في البلاء، فتأخر الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم مع قولهم، وكذلك تهجمهم وتهكمهم فيه زيادة بلاء، فكان في هذا زيادة تثبيت وامتحان وزيادة أجر. وهكذا كذلك ينبغي أن يعلم من هو دونه عليه الصلاة والسلام، ولن فيه عليه الصلاة والسلام أسوة. فقد يجد الإنسان مع شدة الأعداء تأخر النصر من الله سبحانه وتعالى، وكذلك ما يظنه أنه قلة العون، وهو في الحقيقة امتحان. وهذه من سنة الله عز وجل في امتحان عباده، بل رسل الله عز وجل يمتحنون حتى يظن الظان قد ضاق به الأمر واشتد إلى منتهى، فيأتي نصر الله وفرج الله، كما قال الله عز وجل: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾، فيأتي النصر حين يشتد الأمر فيبلغ منتهى، فيظن اليأس، ولكن لعظم يقينه بربه سبحانه وتعالى لا يزال على الحق. كما قال أبو بكر وهو من خيرة الصحابة بل هو خير الصحابة: «يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لرآنا»، بلغ الأمر ما بلغ من الشدة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام قول المطمئن الواثق بربه سبحانه وتعالى: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما». ما بينه وبين المشركين إلا فتحة الغار، المشركون في فتحة الغار، والنبي صلى الله عليه وسلم خلف الفتحة، وهم واقفون بسيوفهم وعدتهم يريدون قتله عليه الصلاة والسلام وأبا بكر. وأبو بكر في هذا الموقف يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لرآنا»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام قول الواثق بربه سبحانه: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما». وكذلك سنة الله في عباده المؤمنين أن يبتليهم، وأن يقع ما يكون به رفع درجتهم وعظم أجرهم، وما يكون به كذلك امتحان لأممهم. ولله الحكمة في ذلك. وقد حكى الله عز وجل عن عدد من أنبيائه ورسله وأتباعهم من الصديقين والشهداء والصالحين ما هو محل عظة وعبرة. وهل قصص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام التي أخبرنا الله بها إلا لأجل التحقيق غايات عظيمة وحكم جليلة، ومنها هذا المعنى. وكما سمعتم في الآية: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. فإذا كان هذا حال الرسل عليهم الصلاة والسلام، فكيف بمن دونهم؟ فنحن ينبغي أن نتخذ مثل هذه المواقف محل أسوة واقتداء. ولهذا يتميز الناس إيمانهم في وقت الشدائد، في وقت الشدائد يحصل الامتحان والابتلاء، ويحصل كذلك التمييز. وهذا من حكمة الله في الامتحان والابتلاء ليميز الطيب من الخبيث، وكذلك ليظهر أهل الإيمان من أهل النفاق. فلولا الابتلاء والامتحان لما صف المؤمنون من المنافقين، فتبقى النخبة والصفوة وهم أهل الإيمان، وأما أهل النفاق فإنهم يخرجون ويفضحون. فبهذه المحن يحصل التصفية والتنقية. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. نكتفي بهذا القدر وإلى هنا. والله تعالى أعلم.