الدرس في شرح صفة الوضوء للشويب 12، الدرس الثاني عشر : (السواك ... والأفضل والأحسن أن نرتبه كما جاءت به أغلب أحاديث رسول الله والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل شرحًا لأحكام السواك ومستحباته في مختلف الأوقات مثل الوضوء والصلاة وقراءة القرآن. السواك مستحب في أوقات كثيرة ويمكن استخدام بدائل أخرى إذا لم يتوفر عود الأراك.
الدلك في الوضوء مستحب وقد يجب في بعض الحالات مثل قلة الماء أو وجود ما يمنع وصول الماء إلى الجلد. الترتيب في الوضوء مستحب عند جماعة من أهل العلم.
اختلف أهل العلم في حكم الترتيب في الوضوء بين واجب وسنة. الأحوط للمسلم أن يتوضأ كما كان النبي يتوضأ، حيث يجب غسل الوجه أولًا ثم يتوضأ كما ورد في حديث عائشة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فأخذنا في درس سابق الكلام على ما يلحق بغسل الرجلين من المسح على الجوربين وبعض الأحكام المتعلقة بها. واليوم نواصل إن شاء الله تعالى ما أشار إليه المؤلف من أحكام، تبعًا في خاتمة هذا الكتاب. قال رحمه الله تعالى: قال السواك: السواك ما يذلك به الفم من العيدان، والسواك كالمسواك، والجمع سوك. وأصل السواك من شجر الأراك، وهو شجر معروف يستاك بفروعه. قال أبو حنيفة: وأفضل مستيك بفرعه من الشجر. وأطيب ما رعته الماشية رائحة لبن -يعني أحسن ما ترعاه الإبل فيطيب أو البقر أو الغنم فيطيب لبنها. قال أبو زياد: منه تتخذ هذه المساويك من الفروع والعروق، وأجوده عند الناس العروق، وهي تكون واسعة. ومعنى واسعة لعله كثيرة وفيها ما أكثر. قال محللا: واحدة أراك. قال ابن شميل: الأراك شجر طويلة خضراء ناعمة، كثيرة الورق والأغصان، خوارة العود. ومعنى خوارة: أي عودها يتساقط، يخور، ليس يقوم كغالب الأشجار -يعني ساقها ليس بالقوي- تنبت بالغور. ومعنى الغور: أي المناطق المنخفضة، وتغلب هي على الأماكن الصحراوية وشبه الصحراوية، وعند بعض مواضع المياه. قال: تتخذ منها المساويك. الأراك شجرة من الحمض، الواحدة أراك، وجمعه أرائك. انتهاء من لسان العرب. وهو يريد بهذا أن يدخل إلى تفسير معنى السواك وعود السواك؛ لأنه سيذكرها هنا بعض المستحبات التي ينبغي أن تراعى في الوضوء، وبعض ما سيذكره أشار بعض أهل العلم إلى وجوبه، وسأتي التنبيه عليه. قال رحمه الله: والسواك مستحب في أوقات كثيرة، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يستاك عند كل صلاة، وعند قراءة القرآن، وعند النوم والاستيقاظ، وعند تغير الفم، وسواء كان مفطرًا أو صائمًا، أو في أول النهار أو في آخره. وهي عبادة لا تكلف كثيرًا، فاحرص أخي المسلم عليها. وكذلك عند الوضوء، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرت بالسواك عند كل وضوء» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ومالك وأحمد وأبو داود وغيرهم، وصححه العلامة الألباني في تخريج المشكاة. وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» رواه البخاري تعليقًا، ووصله أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان. أشار بهذين الحديثين إلى مواضع استحباب استعمال السواك، وقدم أولًا ببيان ما هو السواك. وعلمنا من هذه الكلمات أن السواك عود خاص من شجر خاص، يقال له شجر السواك أو المسواك أو الأراك. وهذا الشجر يوجد في جزيرة العرب كثيرًا، وهو في غيرها قليل، كما ذكر بعض أهل العلم. ولذلك بعضهم لا يعرف عود المسواك لجهله بشجرته وعدم رؤيته لها. ومع ذلك فالمقصود هو حصول إزالة فضلات الطعام من الفم، وما يبقى من أثره في ثنايا الفم بالسواك. وأحسنه كما قال أهل العلم ما كان بعود الأراك -أي من شجرة المسواك- أحسنه من جهة الشرع؛ لحث النبي صلى الله عليه وسلم عليه. وأحسنه كذلك من جهة النفع؛ لاجتماع أكثر أهل العلم على أنه أجود ما يستاك به على الإطلاق. ومع ذلك لا يعني ذلك إذا عدم المسواك أو عز فقل وجوده أو غير ذلك، أنه لا يصلح حصول السواك أو الاستياك بغيره، بل يصلح بعود يشبهه إن كان لا يضر وينفع. ولذلك حتى في جزيرة العرب توجد أعواد أخرى مشهورة يستاك بها، وليست هي بمساويك. فمثلًا عندنا في بلاد اليمن يستاك بنوع من الأشجار يقال له دم الأخوين، وهذا ينفع مع أن له أثر يعطي صبغة حمراء، لكن هو مجرب في أنه ينفع. وقد يستاك بعض الناس بأشجار أخرى تشبه الأراك وليس بأراك، مثل بعض إخواننا في الصومال ونحوها. فالمهم المقصود هو حصول السواك، حتى ولو كان ببعض ما يستاك به من الأدوات الحديثة كالفرشاة والمعجون وغير ذلك؛ لأن المقصود هو حصول التنقية. وأشار إلى مواضع دلت السنة على استحباب السواك فيها، منها: عند الوضوء، وعند الصلاة. فنحن نتكلم الآن على صفة الوضوء، فمن صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم السواك عند الوضوء. بل قال عليه الصلاة والسلام: «لولا أن أشق على أمتي لأمرت بالسواك عند كل وضوء». ومعناه: لولا خشية أن يفرض عليكم أو آمركم فأشق عليكم بسبب أمري لكم، لأمرت بالسواك عند كل وضوء. ومعنى عند كل وضوء: يعني لا يترك وضوء إلا ومعه سواك. فلما كان في هذا مشقة ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمر أمته. وفيه دليل كما ذكر الأصوليون على أن الأصل في أمره عليه الصلاة والسلام الوجوب، إلا أن يدل دليل على صرفه من الوجوب إلى الاستحباب. وفي هذا الحديث إشارة إلى استحباب بل تأكيد استحباب استعمال السواك عند كل وضوء إذا لم يشق. فمن استطاع أن يفعل ذلك فهو أفضل، سواء أكان بالمسواك أو ما يقوم مقامه من أنواع ما يستاك به، وهي أنواع كثيرة. وهكذا كذلك من مواضع استعمال السواك عند كل صلاة، كما جاء في بعض الروايات لحديث أبي هريرة. وهكذا كذلك ما أشار إليه بقوله: عند قراءة القرآن، وعند النوم والاستيقاظ. وقد ثبت في حديث حذيفة وبموسى نحو ذلك؛ فإنه كان أول إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك -يعني يبدأ بالسواك أول ما يبدأ بالسواك تطييبًا لفمه وتعظيمًا للقرآن والصلاة- فعند النوم وعند الاستيقاظ حتى يستاك. حتى ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يضع سواكه عند وسادته. وقوله: عند تغير الفم؛ لأن هذه العلة موجودة في هذه المواضع التي حث الشرع على السواك فيها. ولو كان صائمًا ولو كان في النهار أو بعد الظهر، فإنه لا يضر ولا يمنع الصيام من السواك على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. وأما ما جاء في قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة وغيره: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك»، فخلوف فم الصائم لا يمنع منه السواك على الصحيح؛ فهي رائحة تخرج من الجوف. ومع ذلك فالصحيح كذلك أن إزالة الرائحة إذا أمكن لا يمنع من زوالها، لا يكون مانعًا من بقاء الأجر -يعني ليس إزالة الرائحة يزيل الأجر أبدًا- لأن الأجر على قدر المشقة، وليس إبقاء المشقة يثبت به الأجر. فالله سبحانه قد قال في كتابه عز من قائل: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. فالإنسان لا يبحث عن المشقة لأجل الأجر، ولكن يتابع الأعمال الصالحة. وما صاحب الأعمال من مشقة ففيه أجر. فالأجر على قدر المشقة، وليست المشقة لأجل الأجر. وفرق بين المسألتين. وقد باب الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الجهاد بابًا فذكر: باب أجر من اغبرت قدماه في سبيل الله، ثم أتبعه بباب: باب من غسل الغبار عن جسده. وهذا من فقه رحمه الله، كأنه يقول: كون النبي عليه الصلاة والسلام يقول: من اغبرت قدماه في سبيل الله فله كذا وكذا من الأجر والفضل، لا يعني ذلك أن تبقي الغبارًا، ولكن أزل الغبار. وإزالة الغبار لا يزيل عنك الأجر، بل الأجر باقي. وأنت مأمور بالتجمل؛ إن الله جميل يحب الجمال. فأراد أن يشير إلى هذا المعنى. وهكذا يقال مثله على القول الصحيح في خلوف فم الصائم. فلو أزيل فإنه لا ينقص الأجر ولا يذهبه. وذكر حديث عائشة رضي الله عنها: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب». وهذا الحديث الصحيح أنه ضعيف، لكن معناه صحيح. ولهذا البخاري لم يخرجه في صحيحه، وإنما خرجه تعليقًا. ومعناه صحيح؛ لأن عمومات الأدلة والحس يدل عليه. فالسواك مطهرة للفم؛ لما جاء من الأدلة ولما هو واقع وحقيقة هذا السواك. وهو مرضاة للرب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام حث عليه. قال رحمه الله تعالى: الدلك. قال: الدلك هو إمرار اليد الغاسلة على العضو المغسول مع الماء. والدلك هيئة من هيئات الوضوء التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم. فعن المستورد بن شداد قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره. ومر معنا معناه في حديث لقيط بن صبرة في تخليل الأصابع: «أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وأمر بالاستنشاق إلا أن يكون صائمًا». وكل الحديثين حديث حسن. وهو يشير بهذا إلى أن من مستحبات الوضوء الدلك -أي إمرار اليد على العضو الذي يراد غسله- سواء أكان الوجه أو اليد أو الرجل. وليس إمرارًا بل إمرار مع شيء من التحريك. ويتأكد هذا الاستحباب بل قد يجب إذا كان هذا العضو مظنة عدم وصول الماء إليه راجحة -مثل أن يكون عليه شيء من الدهن- أو يكون عليه كذلك حفة البرد؛ فإنه في البرد قد ينكمش الجلد، ويحصل نوع من التعجل إذا كان الماء باردًا، أو حتى أحيانًا إذا كان شديد الحرارة؛ فيكون معه نوع من التساهل في إيصال الماء إلى المواضع التي يجب أن يصل إليها الماء. فهنا ينبغي أن يحرك بيده في الموضع مثلًا هو ما يريد أن يتأذى من برودة الماء وحرارته. إذا كان كذلك يأخذ ماء يسير في كفه ويدلك على العضو حتى لا يتأذى. وفي نفس الوقت يصل الماء إلى الموضع الذي يجب الوصول إليه. وقوله: ودلك هيئة من هيئات الوضوء؛ هذه الهيئة كما سمعنا تحريك اليد في المواضع التي يحتاج إلى تحريك اليد فيها عند إمرار الماء. وقد يستحب وقد يجب على ما سمعنا. ودليله حديث المستورد بن شداد: «إذا توضأ أحدكم فليدلك أصابع رجليه بخنصره». وهو حديث حسنه جماعة من أهل العلم. وهكذا حديث لقيط بن صبرة في الأمر بالتخليل بين الأصابع. قال: وعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فجعل يقول هكذا -يدلك- يعني يدلك جسده. والحديث بعضهم ضعفه -أي هذه اللفظة- وبعضهم حسنها. ومعناها صحيح؛ لأن معناه جاء في حديث لقيط بن صبرة وحديث المستورد بن شداد. قال: وعنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بثلث مد فتوضأ، فجعل يدلك ذراعيه. رواه ابن خزيمة وإسناده صحيح، والحاكم بمثله من طريق يحيى بن أبي زائدة. وهذا الحديث كذلك يحسنه بعض أهل العلم ويضعفه بعضهم. ومعناه صحيح. ويفيد أن الماء إذا كان قليلًا فيتأكد الدلك، بل قد يجب إذا قل الماء؛ فإنه قد يجب أن يدلك؛ لأجل أن يصل الماء إلى كل موضع يجب الوصول إليه. فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه توضأ مرة مرة. وصح عنه أنه توضأ حتى لم يتقاطر الماء من أعضاء وضوئه. قالوا: هذا يحمل على وقت قل فيه الماء؛ قد يضطر الإنسان في بعض الأسفار أو في مواسم ازدحام الناس -كالحج وما كان بمعناه- عند قلة الماء أن يتوضأ بالماء القليل. فإذا توضأ بالماء القليل فيتأكد عليه بل قد يجب أن يتتبع مواضع مرور الماء بالجسد -مواضع الوضوء- فيدلكها؛ لأن الماء قليل ما يصل بنفسه، يحتاج أن يساعد بيده حتى يعمم الماء على سائر العضو. وهذا الحديث دليل لهذه المسألة. أتي بثلث مد. وتعرفون المد: قيل إنه مد الرجل المعتدل، وهو بالنسبة لزماننا هذا الرجل الضخم، وهو وعاء. وقيل إنه وعاء يساوي ذلك. وهذا الوعاء الذي يساوي ذلك يحمل ما قدره تقريبًا اثنين كيلو ونصف. وبعضهم يقول أقل من ذلك. وإنما هو في الطعام وليس في الماء؛ فالمهم هو نوع من المكاييل التي يكال بها الطعام، يسمى مد. وأربع مرات منه يسمى صاع -كما جاءت الأدلة عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك- ولا يزال معناه موجودًا إلى يومنا هذا. وأهل العلم يرون الصاع النبوي والمد النبوي بأسانيد صحيحة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والمقصود هو معرفة أن الماء القليل يستوجب معه أو يتأكد معه الاعتناء بإيصال الماء إلى الجسد بالدلك؛ لقلة الماء. قال رحمه الله: الترتيب على نحو ما جاء في الآية -يعني من مستحبات الوضوء الترتيب بفعل أعمال الوضوء بحسب ما جاء في الآية- وما جاء في الآية أولًا: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فغسلوا الوجه، وغسلوا اليدين، ومسحوا الرأس، وغسل الرجلين. وهذه أركان الوضوء كما تقدم، وحديث عثمان، وعبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنهما، وغيرها من الأحاديث على استحباب -كما تقدم- الابتداء بالكفين، ثم هذه الأعضاء على ما سبقت الإشارة إليه. فالمهم يريد أن يبين أن من مما يستحب الترتيب على ما جاء في الآية. وهذا قول جماعة من أهل العلم. واستدل له بما سيأتي: أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أحيانًا أنه كان يقدم ويؤخر في أمر المضمضة والاستنشاق. وكذلك ما جاء معناه عن بعض الصحابة في الوضوء في الاجتزاء بالغسل ودخول الوضوء فيه. فهذا دليل من ذهب إلى هذه القول بهذه المسألة. وجمهور أهل العلم يرون الترتيب من لوازم الوضوء التي لا يصح الوضوء إلا بها. وهذا هو الأحوط والذي يجب أن يراعيه المسلم إلا لضرورة أو نسيان؛ فيكمل من حيث نسي، يكمل من حيث نسي. إن الله تجاوز عن أمة الخطأ والنسيان وما استكره عليه. قال رحمه الله: أما ما جاء في الترتيب بالنسبة للآية لم يثبت لها مخالف، وحكم ترتيبها واجب. وقيل: سنة -كما سمعت- المؤلف هنا يرجح أنها واجب. ولكن وضعها في المستحبات على اعتبار أن بعضهم قال بأنها سنة. وكذلك للمعنى الثاني: وهو أن الترتيب يشمل الأشياء الأربع المذكورة في الآية، وهي من الواجبات. ويتناول ما زاد مما ذكر في الحديث أو في السنة -في الأحاديث- وأكثره من المستحبات، وليس من الواجبات. قال: أما ما جاء في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم فقد جاءت أحيانًا غير مرتبة. وهكذا الدليل عن المقدام من معدي يكرب قال: «أتي النبي صلى الله عليه وسلم بوضوء فغسل كفيه ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم مضمض واستنشق ثلاثًا، ومسح برأسه أو برأسيه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل رجليه ثلاثًا». رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح. والشاهد كونه أخر المضمضة والاستنشاق بعد غسل اليدين، ولم يجعل المضمضة والاستنشاق مع الوجه. وكما ترون إنما هذا فيما يتعلق بالمضمضة والاستنشاق. وذكر المضمضة والاستنشاق ليس في الآية، وإنما في السنة. ولهذا قال من قال من أهل العلم: يجوز تأخير المضمضة والاستنشاق إلى بعد غسل اليدين. والأفضل والأحوط أن يكون غسلهما -أي المضمضة والاستنشاق- فعلهما مع الوجه. قال: فهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يلتزم الترتيب في بعض المرات؛ فذلك دليل على أن الترتيب غير واجب. ومحافظته عليه في أحواله دليل على سنته. والله أعلم. والصحيح أننا نتقيد بالدليل إجمالًا وتفصيلًا، إطلاقًا وتقييدًا. فلما نظرنا إلى هذا الحديث وجدنا أن التسامح بالترتيب لم يحصل في كل الأعضاء، وإنما حصل في المضمضة والاستنشاق. فيقال: يجوز التسامح في المضمضة والاستنشاق خاصة، لا في غيره من الأعضاء. فلا يجوز أن نقول: يجوز أن تغسل اليدين قبل الوجه، أو يجوز أن تغسل الرجلين قبل الوجه؛ لأن هذا فيه خلاف ما دل عليه القرآن، ودلت عليه سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فالواجب هو مراعاة الترتيب. وما دلت الشرع على الترخيص فيه فيتقيد بما دل الشرع، لا يزاد على ذلك. ومثل يقال في الغسل: كون النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة وميمونة في الصحيحين: توضأ وضوء الصلاة، وأخر الرجلين إلى ما بعد الاغتسال. فهذا يدل على جواز ذلك في الغسل خاصة. ومع ذلك لم يحصل إخلال للترتيب. وهكذا ما جاء عن بعض الصحابة في جواز الاجتزاء بالغسل دون الوضوء؛ يقال: هذا في الغسل خاصة؛ لأن الغسل يعمه سائر الجسد، وليس هذا برخصة أن يخالف في أركان الوضوء وعدم الترتيب فيها. قال رحمه الله: قال السيوطي -كما في عون المعبود-: احتج به -أي الحديث المتقدم- من قال: الترتيب في الوضوء غير واجب؛ لأنه أخر المضمضة والاستنشاق عن غسل الذراعين، وعطف عليه بثم. قال صاحب العون -أي عون المعبود-: هذه رواية شاذة لا تعارض الرواية المحفوظة التي فيها تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه. قال: قلت: اختلف العلماء في حكم الترتيب في سنن الوضوء. أما الفرائض فيكون ترتيبها كما جاءت به الآية الكريمة. والأفضل والأحسن أن نرتبه كما جاءت به أغلب أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله أعلم. فالخلاصة يتبين أن أهل العلم اختلفوا أولًا في صحة هذه الزيادة. وثانيًا اختلفوا في جهة فهم هذه المسألة وحكمها. والصحيح ما تقدم: أن أركان الوضوء الأربعة يجب الترتيب فيها. وما زاد عن ذلك الأمر واسع. وبهذا القدر ننتهي. والله تعالى أعلم. سائل يقول: السواك المطعم مثل السواك طعم النعناع، هل يفطر إذا كان يدخل إلى الفم فيخشى أنه يفطر، خصوصًا إذا كان له طعم من حلاوة أو نحو ذلك؟ فإذا كانت نكهة فقط من دون طعم، فالأولى تركه. نعم. والله أعلم. سائل يقول: بأي يد يجب استخدام السواك؟ هل يمنع التسوك باليد اليسرى؟ أما الوجوب فلا يجب -لا باليمنى ولا باليسرى- وأما الاستحباب فقد اختلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال. فمن أهل العلم من قال: باليمنى؛ لعموم حديث عائشة: «كان يعجبه التيمن في شأنه كله». بارك الله فيكم. سائل: اختلف أهل العلم في ذلك -أي في استحباب السواك- هل باليمين أو بالشمال على ثلاثة أقوال. منهم من قال: باليمين، وأخذ بعموم حديث عائشة في الصحيحين: «يعجبه التيمن -أي النبي عليه الصلاة والسلام- في شأنه كله، في طهوره وفي ترجله وتنعله» الحديث. فقالوا: ومن هذا العموم يدخل السواك. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يستحب باليد اليسرى. وأخذوا بعمومات الأدلة: أن ما كان من باب التكريم ففي اليمين، وما كان من باب التخلية فباليسرى والشمال. وهذا المعنى كذلك له وجه. وذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك باليمين والشمال. وروي نحو ذلك عن عائشة رضي الله عنها؛ حتى إنه روي عنها من باب عدم التشديد وإظهار ذلك للسائل: قالت: أنها لا تبالي أن تستاك بيمينها أو بشمالها أو حتى برجلها -يعني كأنها تقول: لا تشددوا على أنفسكم ولا على الناس- فالأمر في هذا واسع. وهذا الأخير هو الظاهر. والله تعالى أعلم. فالأمر سهل، سواء تسوك باليمين أو تسوك بالشمال أو استعان بهما جميعًا -مرة باليمين ومرة بالشمال- وقد يحتاج الإنسان إلى ذلك. والله تعالى أعلم. بارك الله فيكم. سائل يقول: كيف الإكمال من حيث نشأ؟ مثلًا غسل اليدين إلى المرفقين أو مسلم غسل يديه إلى المرفقين، وبعد ذلك تذكر بأنه لم يغسل وجهه، فهل يغسل وجهه ثم يعيد غسل يديه؟ نعم، هذا هو المقصود. من نسي غسل الوجه مثلًا يغسل الوجه ويغسل ما بعده، هذا هو الأحوط. وذهب بعض العلماء إلى أنه يجزئه إذا كان الوقت قريب أن يغسل الوجه فقط. والصحيح والأحوط أنه يغسل الوجه ثم ما بعده؛ لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة في صحيح مسلم، وورد في البخاري معلقًا: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». وهذا يشمل تطبيق العمل وكيفيته. فالأحوط أن يواضب المسلم على كيفية توافق كيفية وضوء النبي عليه الصلاة والسلام. والله أعلم.