الدرس في شرح السياسة الشرعية 28، الدرس الثامن والعشرون:من( وهذا القسم يجب إقامته على الشريف والوضيع والقوي والضعيف ...أن رسول الله قال:تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع تحريم الشفاعة في الحدود الشرعية ووجوب تطبيق الأحكام بالعدل، مستدلًا بقصة المرأة المخزومية التي سرقت. كما يوضح أن الشفاعة في الحدود تعتبر مخالفة لأمر الله وتدخلًا في شريعته.
يناقش المقطع حد السرقة وشرط قطع يد السارق، ويستعرض آراء العلماء حول جحد العارية ووجوب قطع اليد، ويبين مذهب الإمام أحمد في ذلك.
يؤكد المقطع وجوب إقامة الحد على كل من ارتكب جريمة دون استثناء أو شفاعة، ويشير إلى أن التوبة بعد القدرة على المتهم لا تسقط الحد عنه.
يشرح المقطع أن من يسهل أو يعين على الشفاعة في الحدود يكون ملعونًا، مستندًا إلى بعض الآثار والروايات التي تحرم الشفاعة في الحدود.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، وهذا القسم يجب إقامته على الشريف والوضيع، والقوي والضعيف، ولا يحل تعطيله لا بشفاعة ولا بهدية ولا بغيرهما، ولا تحل الشفاعة فيه. ومن عطله لذلك وهو قادر على إقامته، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، وهو ممن اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا. وهذا لأنه حرف كلام الله، وكان حاله كحال من ضل من أهل الكتاب الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. والذين كذلك تلاعبوا بشريعة الله لأجل الدنيا، فاشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا. وكما سيأتي معنا، فإن أهل الكتاب كان من ضلالهم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه. فالعدل أمر الله عز وجل به، ومن ذلك في الحدود. قال رحمه الله: روى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مسلم ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال». قيل: يا رسول الله، وما ردغة الخبال؟ قال: «عصارة أهل النار». قال: فذكر النبي صلى الله عليه وسلم الحكام والشهداء والخصماء، وهؤلاء أركان الحكم. ومعنى هذا الحديث ظاهر في الدلالة على المقصود، وذلك من قوله: «ومن حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره». فلا يجوز الشفاعة في حدود الله، فهو من الذنوب العظيمة. والحديث كما أشار المعلق، حديث صحيح رواه أبو داود وغيره، كما ذكر الشيخ الإسلام عن عبد الله بن عمر، وصححه غير واحد، ومنهم الإمام الألباني رحمه الله في الصحيحة حديث 437. ومعنى قوله: «ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع»، يعني أنه استمر في الخصومة ويعلم أنه مبطل وهو مخاصم بظلم، فلم يزل في سخط الله حتى ينزع، يعني يترك الخصومة ويرد الحق. ومن قال في مسلم ما ليس فيه، تهمة وغيرها من الافتراء والبهتان، حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال، يعني إما أن يأتي ببينة وإما أن يحبس في هذا الموضع، وهو في عصارة أهل النار أو عرق أهل النار، كما جاء كذلك معناه في حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم. وقوله رحمه الله: «فذكر النبي صلى الله عليه وسلم الحكام والشهداء والخصماء، وهؤلاء أركان الحكم»، يعني أن الحديث جاء في بعض الروايات كذلك، في رواية الحاكم، فيه هذه الزيادة، كما أشار المعلق. والمعنى أن الجميع يجب عليه إقامة ما يجب عليه في حكم الله. وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. قالوا في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، لأنها تعتبر شريفة، فبني مخزوم من كبار قبائل قريش. فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد؟ فكلمه أسامة، فقال: «يا أسامة، أتشفع في حد من حدود الله؟ إنما هلك بنو إسرائيل حين كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». وهذا هو الشاهد أنه لا يجوز الشفاعة في حد من حدود الله. قال: فبهذه القصة عبرة، فإن أشرف بيت كان في قريش بطنان، بنو مخزوم وبنو عبد مناف. فلما وجب عليها القطع بسرقتها التي هي جحود العارية، كانت تستعير وتجحد، تستعير الشيء وتجحده. وفيه كذلك أن حد السرقة يقام في مثل هذا المعنى مما فيه جحود العارية. ولهذا استدل العلماء أن حد السرقة لا ينحصر بالسرقة التي جرى العرف بها، ولكن ما كان بمعناه من أخذ حقوق الناس بغير حق، من أخذ حقوق الناس بغير حق بضوابطه وشروطه المذكورة في كتب الفقه والحديث. وقد ذكر الفقهاء لذلك شروطًا، أي لإقامة حد السرقة، وهذا محله كتب الفقه. قال رحمه الله: «التي هي جحود العارية على قول بعض العلماء، أو سرقة أخرى غير هذه على قول آخرين». هذا على الخلاف هل جحود العارية يدخل في السرقة؟ والصحيح أنه يدخل في السرقة. قال: «وكانت من أكبر القبائل وأشرف البيوت»، يعني بني مخزوم، فهذه القبيلة من أشرف القبائل. قال: «وشفع فيها حب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة»، ولهذا كلموا أسامة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبه، فهو ابن مولى زيد. قال: «غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكر عليه دخوله فيما حرمه الله والشفاعة في الحدود، ثم ضرب المثل بسيدة نساء العالمين وقد برأها الله من ذلك، فقال: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». يعني أن هذا الباب يجب العدل، فلا يفرق في أحد دون أحد. قال رحمه الله تعالى: «طيب هنا تنبيه، قال شيخنا رحمه الله في التعليق تتمة لهذه المسألة». قال: «وهذه المسألة أشكلت على أكثر العلماء بعد أن أشار إلى حديث الجحود». قال: «رحمهم الله، قالوا: كيف يقطع يدها بجحد العارية وهي لم تسرق؟ لأن السرقة أخذ مال الغير على وجه الاختفاء، وهذه جحد العارية». قال: «وذهب أكثر أهل العلم لأن هذه المرأة كانت تسرق من قبل، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها للسرقات السابقة». ولا شك أن هذا تحريف ظاهر، لأنه صرف للفظ عن ظاهره وإثبات معنى آخر لا يدل عليه ظاهره، فهو نفي سبب معلوم وإثبات سبب مجهول غير معلوم. وهذا من التحريف الذي يذهب إليه بعض العلماء حين يعتقدون قولًا فيحاولون صرف النصوص إليه. وهذا غلط كبير وقع فيه الناس في أبواب الفقه، ووقعوا فيه في أبواب العقائد أيضًا. وقال بعض العلماء: «إن الحديث على إيجاز الحذف، أن معناه كانت تستعير المتاع فتجحده، فسرقت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها». فحذف من الكلام ما هو معلوم، وذلك بالحكم المرتب وهو قطع اليد، ولا قطع لليد إلا في السرقة. وعلى هذين القولين يكون مضمون الكلام أنه لا قطع على من استعار فجحد. وهذا رأي جمهور العلماء. ولكن مذهب الإمام أحمد رحمه الله أسعد بالدليل، حيث قال: «وهو من مفرداته»، يعني ممن فرد به: «إذا جحد العارية وجب قطع يده». وهو الصحيح. وهذا وإن لم يكن سرقة بالمعنى اللغوي، فهو سرقة بالمعنى الشرعي، لأن هذا المستعير أخذ المال على وجه الخفية، فبدلًا من أن يكسر الأقفال ويكسر الأبواب، ذهب يتحيل فيستعير ثم يجحد. وقطع يده من أحسن المناسبات، لأن لا ينسد باب الإحسان على الناس بالعارية، لأن الناس لو علموا أن من جحد لا تقطع يده، ما أحد سيعير أحدًا. وهذا يقطع على الناس باب إحسان عظيم، والله جل وعلا أمر به. قال: «بل ذلك كان قطعه أولى من قطع يد السارق الذي يتسور الحيطان ويكسر الأبواب وما أشبه ذلك». وهذا ظاهر، وهذا هو الشاهد. قال رحمه الله تعالى: «وقد روي أن المرأة التي قطعت يدها تابت وكانت تدخل بعد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فيقضي حاجتها». وهذا الذي ذكره ذكره الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الحدود، باب توبة السارق. ثم ذكر بإسناده عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «وكانت تأتي بعد ذلك»، أي هذه المرأة المخزومية، «فأرفع حاجتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم». قالت عائشة: «فتابت وحسنت توبتها». وهذا هو الشاهد. قال: «فقد روي أن السارق إذا تاب سبقته يده إلى الجنة، وإن لم يتب سبقته يده إلى النار». وهذا كما أشير في التعليق لم يصح مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما روي مرسلًا، وروي فيه بعض الآثار. فمثل هذا لا يثبت إلا بشيء مرفوع، لكن لا مانع إذا تاب السارق تاب الله عز وجل عليه، ورد له يده التي قطعت في الدنيا، فإنه يرد كما كان أول مرة، فيعاد كل إنسان على خلقته، سواء سرق أو لم يسرق، ما قطع منه شيء من الدنيا يرد إليه كما خلقه الله. قال: «ورواه مالك في الموطأ أن جماعة أمسكوا لصًا ليرفعوه إلى عثمان رضي الله عنه، وتلقاهم الزبير فشفع فيه، فقالوا: إذا رفع إلى عثمان فاشفع فيه عنده». يعني أرادوا أن يوصلوه إلى عثمان ثم بعد ذلك يذهب فيشفع. فقال: «إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع». يعني الذي يقبل الشفاعة. وهذا كذلك روي بأسانيد منقطعة، وفيه آثار موقوفة، وهو بمجموع طرقه يرتقي إلى الحسن. قال: ومعناه سبق في الحديث في الصحيحين الذي تقدم في قصة المخزومية، وغيرها من الأحاديث مما سيأتي معنا إن شاء الله. فلا يجوز الشفاعة في الحدود بعد بلوغ السلطان. وأما قبل أن يبلغ السلطان ففيه تفصيل: إن كان الرجل هذا المعتدي السارق أو غير السارق تاب وندم، ويرجى أن الستر عليه يعينه على الصلاح، فيعان على ذلك. وإن كان ليس كذلك، بل هو من المفسدين، فلا يجوز إعانة المفسد على إفساده، بل هذا من التعاون على الإثم والعدوان. ولا يجوز السكوت عن مثل هذا، لأن هذا من الرضا بالمنكر. وقد أمر الله عز وجل هذه الأمة أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر، فهذا من أسباب خيريتها: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر». ومن النهي عن المنكر إقامة الحدود حتى ينتهي المنكر. قال رحمه الله: «وكان صفوان بن أمية نائمًا على رداء له في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء في الرواية أنه في المسجد الحرام». والحديث في مجموع طرقه حديث حسن. قال: «فجاء لص فسرقه»، أي سرق الرداء. قال: «فأخذه فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بقطع يده». فقال: «يا رسول الله، أعلى رداء تقطع يده؟ أنا أهبه له». وفي رواية: «والله ما أردت هذا يا رسول الله، قد جعلته صدقة له». يعني الرداء. قال: «فقال أي النبي عليه الصلاة والسلام: هل قبل أن تأتيني به؟ ثم قطع يده». رواه أهل السنن، وهو كما تقدم حديث حسن. وفيه ما تقدم من أن الحدود إذا بلغت السلطان فلا يجوز الشفاعة فيها. بل كما جاء في الأثر الموقوف الذي له حكم الرفع: «فلعن الله الشافع والمشفع». ولهذا قال شيخ الإسلام كما تقدم: «أن من شفع في حد من حدود الله فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». وهذا من أين أخذه؟ أخذه من هذه الآثار الموقوفة التي لها حكم الرفع. قال رحمه الله تعالى: «قال يعني صلى الله عليه وسلم: أنك لو عفوت عنه قبل أن تأتيني به لكان يعني لكان يقبل منك». وأما وقد وصل السلطان فإنه لا يجوز. وهذا الحكم سدًا لذرائع تعطيل حكم الله وشرع الله. وفيه كذلك العمل بهذه القاعدة العظيمة: «درء المفاسد أولى من جلب المصالح». وتدرأ المفسدة الكبرى بالصغرى. قد يكون تائب توبة صحيحة، لكن إذا قد بلغ السلطان فإنه يقام عليه الحد. قال رحمه الله: «فأما بعد أن رفع إلي فلا يجوز تعطيل الحد لا بعفو ولا بشفاعة ولا بهبة ولا غير ذلك». وقوله: «ولا بهبة ولا غير ذلك»، لأن بعض من ينتسب إلى العلم زعم أن بعض ذلك قد يكون أثقل على بعض الناس من الحد. وهذا ليس بالصحيح، لأن في هذا تغيير لحكم الله ولحدود الله ولشريعة الله. بل الواجب إقامة الحد على الجميع، ولا يجوز أن تعترض هذه الأحكام بآراء وعواطف واستحسانات، لا بهبة ولا بمال ولا بغرامة ولا غير ذلك. فما يفعله مثلًا بعض رؤساء العشائر والقبائل من الأحكام القبلية، وهي أحكام جاهلية في غالبها، من مضاعفة الغرامة في بعض الأحكام التي فيها حدود شرعية، هذا من التشريع والتغيير لحكم الله الذي لا يجوز. قال رحمه الله: «ولهذا اتفق العلماء فيما أعلم على أن قاطع الطريق واللص ونحوهما إذا رفعوا إلى ولي الأمر ثم تابوا بعد ذلك لم يسقط الحد عنهم، بل يجب إقامته وإن تابوا». وقوله: «فيما أعلم»، هذا من تورعه رحمه الله تعالى. وأشار شيخنا رحمه الله أن هذا نادر قليل في كلام شيخ الإسلام، لسعة اطلاعه بالخلاف والاتفاق رحمه الله. فهذا من نوادر قوله، ولكنه قاله هنا من باب التورع رحمه الله تعالى والتثبت. قال رحمه الله: «فإن كانوا صادقين في التوبة كان الحد كفارة لهم، وكان تمكينهم وذلك من تمام التوبة، بمنزلة رد الحقوق إلى أهلها، والتمكين من استيفاء القصاص بحقوق الآدميين». يعني التمكين لأهل الحق. قال: «وأصل هذا في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾». فإن الشفاعة عانت الطالب حتى تصير معه شفعًا، ولهذا سميت شفاعة. فإنها جمعت بين قول الطالب وقول الشافع، فصارت بعد الوتر شفعًا، لأن الأصل من الذي يريد الإسقاط صاحب الحد، مثلًا في هذه المسألة صاحب الحد الذي عليه الحد يتمنى أن يسقط عنه الحد. فحين شفع الشافع كأنه ضم قوله إلى قول ذلك. ولهذا جاء في الأثر: «فلعن الله الشافع والمشفع». فلا يجوز التعاون على الإثم والعدوان في هذا الباب. قال رحمه الله: «فإن علت على بر وتقوى كانت شفاعة حسنة، وإن علت على إثم وعدوان كانت شفاعة سيئة». وهذا الباب من الشفاعة السيئة، يعني الشفاعة في الحدود. ولذلك كان من البر والإحسان والتقوى أن يطلب من من وجب عليه الحق أن يصبر ويحتسب ويحسن توبته. فإنه ما دام قد قام وبلغ الأمر السلطان، وجب إقامة الحج، وهو إن شاء الله كفارة له. قال رحمه الله تعالى: «والبر ما أمرت به، والإثم ما نهيت عنه». وإن كانوا كاذبين، فإن الله لا يهدي كيد الخائنين. يعني في الدعوى البر أو الإثم. والله جل وعلا يعلم خائنة الأعين ما تخفي الصدور، لا يخفى عليه من أمر الناس شيء. قال رحمه الله: «وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾». وهذه الآية فيها دليل كذلك لما سبق. قال: «فاستثنى التائبين قبل القدرة عليهم فقط». فالتائب بعد القدرة عليه باق في من وجب عليه الحد للعموم والمفهوم والتعليل. قال: «هذا إذا كان قد ثبت بالبينة». فأما إذا كان بإقرار وجاء مقرًا بالذنب تائبًا، فهذا فيه نزاع مذكور في غير هذا الموضع. الشاهد في قول الله عز وجل: «إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم». وقد جاء نبي هريرة رضي الله عنه في تفسير هذه الآية ما يدل على هذا المعنى، ويروى مرفوعًا. ففيه معنى الأحاديث المتقدمة والآثار في أن الحد إذا بلغ السلطان فإنه يجب إقامته ولو زعم أنه تائب. ولو قبض على قاطع الطريق ثبتت عليه بالبينة أنه من قطاع الطريق، فقال: «تبت». فيقال له: «هذا لو كان قبل أن يقبض عليك». وأما وقد قبض عليك فلا، لأن الله قال: «إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم»، يعني من قبل أن تقبضوا عليهم. قال رحمه الله: «فالتائب بعد القدرة عليه باق في من وجب عليه الحد للعموم والمفهوم والتعليل». العموم عموم الأدلة فيما سبقت، ومنها هذه الآية. والمفهوم وهو ما يفهم في قوله: «إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم»، فظاهر مفهوم الموافقة فيه. فأن الذي قدر عليه، أن الذي تاب من قبل أن يقدر عليه فإنه يعفى عنه. ومفهوم المخالفة أن الذي تاب بعد أن قدر عليه فإنه لا تقبل توبته في الحد. وأما توبته في الدين فبينه وبين الله، يقال: «أمرك إلى الله إن كنت صادقًا في توبتك». أما بالنسبة للحد فلا يسقط عنك. قال: «وظاهر مذهب أحمد أنه لا تجيء إقامة الحد في مثل هذه الصورة، بل إن طلب إقامة الحد عليه يقيم، وإن ذهب لم يقام عليه حد». وفي هذا خلاف كما تقدم. والصحيح فيه تفصيل. فإن ثبت واعترف وتقرر ذلك، فإنه يقام عليه الحد. قال: «وعلى هذا حمل حديث ماعز بن مالك لما قال: فهل لا تركتموه؟ وهذه اللفظة كما قلنا بعض أهل العلم حكم عليها بالشذوذ». ولم تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «وحديث الذي قال: أصبت حدًا فأقمه». ومع آثار أخرى، وفي سنن أبي داود والنسائي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب». وهذا فيه معنى ما تقدم. والحديث حسن بمجموع طرقه. طيب نقف لهنا انتهاء الوقت، ونكمل الباق إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم. يقول: هل الصواب «لعن الله الشافع والمشفع» بالفتح أو بالكسر؟ يجوز بالفتح ويجوز بالكسر، فكل من تعاون على الإثم والعدوان يلحقه اللعن. مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه». ذكر خمسة، هل هذا محصور بالخمسة؟ الصحيح لا، وإنما كل من أعان على عقد الربا يلحقه اللعن، ولكن الغالب أنهم هؤلاء الخمسة. فلو كان سادس فإنه يكون مدام وأعان على ذلك يلحقه اللعن. فإذا كل من أعان على الشفاعة المحرمة في هذا المعنى فيلحقه اللعن. والله أعلم. طيب إلى هنا وجزاكم الله خيرًا.