الدرس في جواهر البلاغة 83، الدرس الثالث والثمانيون:من( وقد تستعمل إذا في الشرط المشكوك في ثبوته أو نفيه ... ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح استعمال "إذا" في الشرط المشكوك وتوضيح أن شرط وجزاء "إذا" و"إن" يجب أن يكونا جملة فعلية استقبالية. يُبين أيضًا استخدام "إذا" للإشعار بعدم الشك في الشرط.
يتناول استخدام الفعل الماضي في الجمل الشرطية لتحقيق معانٍ مثل التفاؤل أو التخيل، ويُقدم أمثلة توضح ذلك مثل "إن عشت فعلت الخير".
يشرح استعمال "لو" مع الفعل المضارع بدلًا من الماضي لإفادة الاستمرار والتجدد، ويُعطي أمثلة قرآنية مثل "لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُمْ".
يؤكد أن الأمثلة المذكورة ليست حصرًا شاملاً، بل توضيحية، ويشير إلى تعدد المعاني والوجوه في السياقات الشرطية.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقد تستعمل «إذا» في شرط المشكوك في ثبوته أو نفيه لأغراض، يعني على خلاف أصلها. قال: أولًا منها الإشعار بأن الشك في ذلك الشرط لا ينبغي أن يكون مشكوكًا فيه، بل ينبغي أن يكون مجزومًا به، نحو: «إذا كثر المطر في هذا العام أخصب الناس». يقول: الإشعار بأن الشك في ذلك الشرط لا ينبغي أن يكون مشكوكًا فيه، فيصير استعماله في الشرط المشكوك للتنبيه على الجزم به. قال: ومنها تغليب المتصف بالشرط على غير المتصف به، يعني الشرط الجازم على غير الجازم، أو أسلوب الشرط عمومًا، قال: نحو «إذا لم تسافر كان كذا»، وهلما جرى من عكس الأغراض التي سبقت؛ لأن الأصل هو الجزم بذلك، يعني اليقين وعدم الشك، وصار هنا فيه دخول معنى التشكيك بحصول المعنى، المفاضلة «إذا لم تسافر كان كذا وكذا»، فيكون هذا التشكيك لأجل الجزم، كذلك هذا التشكيك لأجل الجزم، يعني يشكك لأجل أن يجزم في السفر. قال: الثالث -يعني التنبيه الثالث- لما كانت «إن» و«إذا» لتعليق الجزاء على حصول الشرط في المستقبل، وجب أن يكون شرط وجزاء كل منهما جملة فعلية استقبالية لفظًا ومعنى، كقوله تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾، فقوله «يغاثوا» هي جملة فعلية استقبالية من جهة اللفظ، ومن جهة المعنى؛ لأن الإغاثة ليست الآن، وإنما في زمان آتي بعد، يكون فهو كذلك من جهة المعنى، أي هي استقبالية. قال: ونحو «والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى القليل تقنع»، والشاهد «وإذا ترد إلى القليل تقنع»، فإن القناعة تكون في المستقبل، فهي فعلية استقبالية لفظًا ومعنى. قال: ولا يعدل عن استقبالية الجملة لفظًا ومعنى إلى استقباليتها معنى فقط إلا لدواع غالبًا، ومعنى «ومعنى» هذه أولًا: ذلك لأن الشرط المفروض حصوله في المستقبل، فإذا كان الشرط المفروض حصوله في المستقبل، فيمتنع عند ذلك ثبوته في الحضور، وقوله «إلا لدواع غالبًا» يعني لأغراض وأسباب، ومنها كما سيأتي التفاؤل وغير ذلك، ويغلب ذلك لإبراز غير الحاصل في معنى أو معرض ما هو حاصل، إبراز غير الحاصل يعني غير الواقع في معرض ما هو حاصل، وذلك يكون كما قال إما للتفاؤل أو التخيل كما سيأتي. قال: منها التفاؤل، نحو «إن عشت فعلت الخير»، فهنا الجواب كما ترون من جهة المعنى استقبال، هي جملة استقبالية من جهة المعنى، أما من جهة اللفظ فهي ليست استقبالية، «فعلت» صيغة الماضي، وقيل: إن الحكمة في ذلك كما أشار المعلق: أن المقصود هو تعليق الجزاء، والثاني كذلك أن من معاني الفعل الماضي هو الجزم، يعني جزم المعنى، ثبوت المعنى، بخلاف الفعل المضارع فإنه يفيد معنى التجدد، وكأنه يقول: هذا الجزاء يقين، كأنه يقول: هذا الجزاء يقين. قال: ومنها تخيل إظهار غير الحاصل وهو الاستقبال في صورة الحاصل وهو الماضي، نحو «إن ميت كان ميراثي للفقراء»، فيكون ذلك من باب الترغيب في الصدقة مثلًا، وفي نفس الوقت الجزم في فعل هذا المرغب فيه، ومثله قالوا: «ولا تكروا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا»، فهو من هذا المعنى، ويكون المعنى التحذير من إكراه الفتيات الضعيفات على البغاء. قال: الرابع: علم مما تقدم من كون «لو» للشرط في الماضي لزوم كون جملتي شرطها وجزائها فعليتين ماضويتين، «إيش عندك ماضيتين؟» هذا يحتاج إلى نظر، لماذا قال «ماضويتين»؟ إذا كان يريد من الماضي يقول «ماضيتين»، تأملوا فيها وانظروا، المهم يريد يقول: علم مما تقدم من كون «لو» للشرط في الماضي لزوم كون جملتي شرطها وجزائها فعليتين، وكون هذا الفعل ماضيًا كذلك، وعدم ثبوتهما -يعني النفي- «لو شاء الله لا هداكم أجمعين»، «لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا»، فلا يوجد آله غير الله، وما حصل الفساد، فكله منفي وغير ثابت، ولهذا قالوا: «لو» حرف امتناع لامتناع، حرف امتناع لامتناع. قال: وهذا هو مكتب الظاهر، وقد يخرج الكلام على خلافه، يعني على خلاف هذا الأصل الذي سبق، فتستعمل «لو» في المضارع لدواع اقتضاها المقام، الأصل أنها في الفعل الماضي، لكن قد يكون في المضارع، قال: وذلك كالإشارة إلى أن المضارع الذي دخلت عليه -يقصد استمراره فيما مضى وقتًا بعد وقت، وحصوله مرة بعد أخرى- يعني عكس ما قلنا في مسألة الاستقبال، حين يستعمل الفعل الماضي يراد به الثبوت، فكذلك في «لو» يستعمل بدلا من الفعل الماضي الفعل المضارع ليدخل فيه معنى الاستمرار والتجدد. قال: كقوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُمْ﴾، فقوله «لعنتم» وقوله «لو يطيعكم» كما ترى، «لو» دخلت على «يطيعكم» على المضارع، و«عنتم» على أصله فعل ماضي، وكان دخول «لو» على الفعل المضارع هنا لإفادة معنى التجدد. قال: وكتنزيل المضارع منزلة الماضي لصدوره عن علم المستقبل عنده كالماضي في تحقق الوقوع ولا تخلف في أخباره، يعني أنه غاية في الإثبات، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾، فيكون المعنى في ذلك إدخال معنى اليقين في ذلك الخبر الذي أخبر به. وهذه ليست حصرًا، بل هذا من باب التنفيل، وإلا بعضهم ذكر أشياء أوسع من هذا، فمثلًا قوله: التفاؤل والتخيل، بعضهم زاد التعريض، مثل قول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فقيل: إنه وارد على سبيل التعريض، المهم هذا ليس حصرًا، بل هذا فقط عبارة عن تمثيل، وإلا فالمعاني كثيرة، وبقدر المعاني تكون الأحوال والأوجه التي تدخل في هذا المعنى. إلى هنا والله تعالى أعلم.