التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين  40

التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 40

الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 40، الدرس الأربعون:من( فحي على جنات عدن فإنها*منازلك الأولى وفيها المخيم ... والحمدلله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وصف جنات عدن ومنازل المؤمنين

يشرح معنى جنات عدن وصفاتها، ويبين منازل المؤمنين فيها. يشير إلى أن المؤمنين لا يتمنون منزلة غير منزلتهم فيها.

غربة الإنسان في الدنيا وأهمية العمل للآخرة

يشرح معنى غربة الإنسان في الدنيا وأهمية العمل الصالح للآخرة. يشدد على ضرورة اغتنام الوقت في الطاعات والاستعداد للقاء الله.

نعيم أهل الجنة ورؤيتهم لله عز وجل

يتناول نعيم أهل الجنة وفضل يوم الجمعة، ويشرح رؤية الله عز وجل في الآخرة. يبين أن هذه الرؤية ليست إحاطة به سبحانه وتعالى.

خاتمة الدرس والدعاء للمسلمين

يتضمن الدعاء بأن ينفع الله العباد بما تعلموه، ويعينهم على صلاح دينهم ودنياهم. يشمل الاعتراف بالتقصير والاستغفار والصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الناظم رحمه الله تعالى: فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم قال شيخنا رحمه الله في شرحه: قوله «فحي» أي فأقبل، وقوله «جنات عدن» أي جنات الإقامة، وسميت بذلك لأن المقيم فيها لا يبغي عنها حولا. وقيل: إن معنى «عدن» مأخوذ من استقرار الجنات وثباتها، فإنها تكون على معنى ووصف هو غاية في الجمال. فليست جنات عدن أي جنات الإقامة فحسب، ولكن جنات بما فيها من معاني الجنان من كثرة الإخضرار وما فيها من فواكه وما تتلذ به الأعين والأنفس وغير ذلك، وكل ذلك على أقصى ما يكون من الجمال، وفيه الاستقرار، فيزيد هذا في جمالها وزينتها. قال رحمه الله تعالى: فالإنسان في هذه الدنيا إذا نزل في أي قصر من القصور فإنه قد يرى قصرا غيره أحسن منه، فيقول: ليت لي مثله، ويطلب الرحيل إليه. ولكن هذا ليس في الجنة، فالإنسان فيها لا يتمنى منزلة غير منزلته، قال تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ يعني من عظيم ما يجدون من نعيم الله سبحانه وتعالى، بل يعطون فوق ذلك بكثير. وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم كما جاءت به الصحيح في قصة آخر من يدخل الجنة: أنه رجل يعطى مثل الدنيا وعشر أمثالها، مثل الدنيا وعشر أمثالها، وهذا من عظيم فضل الله سبحانه وتعالى. وقول الشيخ رحمه الله: قد يرى قصرا غيره أحسن منه فيقول ليت لي مثله، هذا باعتبار حال أكثر الناس. وإن كان الأدب أن يكون حال المسلم هو النظر إلى من هو دونه في الدنيا والنظر إلى من هو فوقه في الدين، ذلك أحرى أن لا يزدري نعمة الله عليه. وإذا رأى شيئا يعجبه في الدنيا فلا ينبغي أن تتعلق نفسه به، بل يذكر نفسه بأمر الآخرة، فاللهم لا عيش لعيش الآخرة. فينبغي عليه أن يجعل في نفسه من الزهد في الدنيا وعدم التعلق بها ما يبعده عن إشغال قلبه فضلا عن جوارحه بتتبع ما في الدنيا، فليس لهذا حد ولا نهاية. قال رحمه الله: ولا يرى غيره أنعم منه، لهذا سميت جنات عدن، يعني دار الإقامة التي لا موت فيها ولا مرض ولا سآمة، ولا نظر إلى ما عند غيره، أي من شدة النعيم الذي فيها. وقوله: «منازلك الأولى» قال: لأن آدم عليه السلام أخرج منها بعد أن كان فيها. وهذا دليل على أن المؤلف رحمه الله يرى أن الجنة التي أخرج منها آدم عليه السلام هي جنة الخلد. وهذا أحد القولين للعلماء، والاختلاف بهذه المسألة مشهور. والراجع فيها أنها هي جنة الخلد، ولكن آدم عليه الصلاة والسلام لحكمة أرادها الله عز وجل حصلت منه المخالفة فأخرج منها. وسواء كان هذا أو هذا فكله من معنى نعيم الله وجنات الله. وإن كان كما قال الشيخ رحمه الله: الصحيح أن جنة الخلد هي الجنة التي أخرج منها آدم وإليها يرجع، كما أن الدنيا فيها يموت الإنسان، فيها يولد الإنسان، وفيها يموت، ومنها يبعث. قال: فلقد كان في ذلك المصلحة لآدم ولبني آدم، لأنه لو لم ينزل آدم من الجنة لما صار هناك ابتلاء وامتحان، ولكان كل الناس بالجنة. وهذا من بعض الحكم في هذا الأمر العظيم، ولله سبحانه وتعالى حكم أخرى كثيرة. قال: كما أنه لو لم ينزل آدم من الجنة لما حصل له هذا الوصف العظيم، «عصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه»، فالاجتباء والاصطفاء لم يحصل إلا بعد أن عصى آدم ربه فتاب عليه، لذلك وهذه منزلة رفعة. وكما قال الإمام من القيم رحمه الله: إن بعض الذنوب تكون سببا لرفعة العبد، فالنقص الذي يقع بسبب الذنب يكون أحيانا سببا لحسن التوبة والإنابة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى والاجتهاد في الخير والبر. ولكن متى ما حسنت توبة العبد. ولا يعني ذلك أن الإنسان يتعمد الذنب طلبا لحسن الأوبة والإنابة والرجوع إلى الله، لماذا؟ لأنه لا يدري لعل فعله لذلك الذنب سببا لتغيير قلبه فلا يتوب، أو كذلك لا يحسن، أو يفتر على أقل الأحوال عن الخير. ولكن إذا ابتلي العبد بالذنب، وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين هم التوابون، فإذا ابتلي العبد بالذنب أتبعه بتوبة عاجلة كاملة، فإذا فعل ذلك كان ذلك سببا إن شاء الله لرفعته. ولنا في آدم عليه الصلاة والسلام عبرة. وكل إنسان يشعر في نفسه إذا تاب إلى الله وأناب أنه يحصل له من قوة الإيمان واليقين وكراهية الإثم والشر ما يعلم معه فضل الله عز وجل أو عظيم فضل الله عليه بالتوبة. قال: فالله عز وجل حكيم فيما قدره على آدم، وفي ذلك المصلحة له ولذريته، وهذا ظاهر. وهذا قليل من كثير من تلك الحكم. قال رحمه الله تعالى: ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم؟ يا سبحان الله، كيف ألان ربنا سبحانه وتعالى لهذا الإمام الشعر حتى استطاع أن يأتي بهذه المعاني البليغة العجيبة. قال شيخنا رحمه الله: قال يعني رحمه الله أن العدو الذي سبانا هو الشيطان الخبيث، لأنه هو الذي تسبب في إخراج آدم من الجنة، وذلك لما وسوس له ولزوجه بالوساوس العظيمة، قال تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ أي أتى بإقسامات عظيمة بحجة أنه لمن الناصحين. وقال تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ فقال لآدم: هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؟ وسبحان الله، فإن آدم بشر فصدق هذه الإقسامات العظيمة. وهذا يدل على حسن سريرة آدم عليه السلام، ويدل على عظيم خبث الشيطان لعنه الله. قال: وهذا هو الغرور وهذه الزخرفة، فحصل ما حصل. والله على كل شيء قدير. وهو كذلك شبه هذا الإنسان بسبي العدو، لأن سبي العدو مغصوب من أرضه ومن أهله، وهو يطمع أن يرجع إلى أرضه وأهله. وكذلك هذا الإنسان في هذه الدنيا هو كسبي العدو، فهو في أرض غير أرضه، وعند أناس ليس من أهله. فإن كان حريصا في الرجوع إلى وطنه وإلى موضعه الذي جعله الله عز وجل فليخذ بأسباب ذلك بصدق وجد. وهذا الذي ينبغي أن يفعله الإنسان إن أنصف نفسه وصدق مع ربه. قال: ثم قال رحمه الله: وقد زعموا أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانه فهو مؤلم. قال قوله: «وقد زعموا» أي زعم الناس، والزعم هنا ليس معناه الكذب، بل هو حقيقة. وقوله: «أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانه فهو مؤلم» أن يتألم ولا يقر له قرار حتى يرجع إلى وطنه. فنحن غرباء عن وطننا الأول، وهو الجنة، وتتلقفنا الأعداء. فصدر الناظم رحمه الله البيت بقوله: «وقد زعموا» يعني: إذا كنت أنت موافقا لهذا الزعم، وفي الأمر أنه حقيقة، وهو كذلك حقيقة، فماذا ينبغي عليك أن تصنع؟ فهو تحريك لما في النفس حتى تجتهد فيما ينبغي الاجتهاد فيه في مثل هذا المقام. إذا كنت قد علمت واستيقنت أن الغريب يجد في نفسه وحشة وألما في غربته وبعده عن أهله، وهذا مجرب لكل من عرف الأسفار وبعد عن أهله ودياره، فإنه يجد ألما في مفارقة أهله ودويه ووطنه ومحبيه. فإنه إذا كان كذلك في هذه الغربة اليسيرة، فكيف بغربة أعظم الغربات؟ بل أعظم من ذلك، إذا لم يحسن في هذه الغربة، فهو يأتي على ما يكون من عدل الله سبحانه وتعالى، فإما أن ينعم بفضله، وإما أن يعذب بعدله سبحانه وتعالى. فهذا تبع لما سبق في تهييج نفوس السائرين إلى الله في استغلال الأعمار والإحسان في هذه الدنيا التي هي عبارة عن سجن وموضع لسبب العدو، وإن كان دون ذلك فلا أقل أن يكون محل غربة. قال رحمه الله: ولهذا قال: ويغتراب فوق غربتنا التي لها أضحجت الأعداء فينا تحكم. قال شيخنا: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر، وقد أخذ بمنكبه: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». وكان بن عمر يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح. يعني: لا تقول سأعمل الخير في المساء، وسأتوب إلى الله في المساء، لأنك إذا قلت هذا ذهب عنك الوقت، بل خذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. فما دمت صحيحا فاغتنم الوقت، لأنك ربما تمرض أو ربما تموت، لأن كل حي سيموت، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. فقوله رحمه الله: «وأي اغتراب» بينه شيخنا رحمه الله: بأن هذا قد صدقه أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، ومنها حديث بن عمر. فالإنسان في هذه الدنيا كالغريب وعابر السبيل. وماذا ينبغي للإنسان إذا علم أنه غريب وعابر سبيل؟ حسبه أن يأخذ من هذه الدنيا ما يعينه في الوصول إلى أهله. فكونه يجري خلف هذه الدنيا وملذاتها فيضيع وقته في جمعها وإعمارها بما لا يكون له عونا في آخرته، هذا خلاف الواجب والحق الذي ينبغي أن يسلك الإنسان إذا علم أنه غريب. كما أن الغريب الذي يمر بالغربة العابرة لا تراه إلا مجتهدا معجلا في أخذ الأسباب التي تعينه في الرجوع إلى أهله عاجلا غير آجل. فكذلك حال هذا الإنسان في هذه الدنيا، حسبه أن يأخذ منها ما يعينه في الوصول إلى وطنه، وهي جنة الله سبحانه وتعالى، والنيل من رضا الرحمن سبحانه وتعالى. وأما قول الإمام من القيم رحمه الله: «وأي اغتراب فوق غربتنا التي لها أضحجت الأعداء فينا تحكموا» يعني: من أدل ما يدل كل منصف وطالب للحق أنه في هذه الدنيا في موضع غربة تحكم الأعداء في هذه الدنيا. فالمؤمن وصاحب الحق يرى أن الدنيا في الحقيقة ليست لأهل الحق، بل هي لأهل الباطل من الكفار ومن الفجار، فهم الذين يتوسعون فيها، وكذلك يتوسعون في ملذاتها وشهواتها، لأنهم ليس عندهم دين ولا أمر ولا نهي ولا شريعة يستقيمون عليها، وبهذا يحصل التحكم على أهـل الحق. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». قال: ثم قال رحمه الله: وحي على روضاتها وخيامها، وحي على عيش بها ليس يسأم. قال: يعني أقبل إلى جنات عدن، إلى روضاتها وخيامها، فإنه لا يسأم فيها ولا يمل. وفي الجنة غراس وشجر: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»، فهذا غراس وشجر بدون تعب وبدون سأم، وهو ناجح لا يموت. ونحن الآن نتكلف في غرس شجيرة صغيرة، فنحتاج إلى جماعة في إخضارها، وجماعة في تهيئة المكان لها، وفي سقها، وربما يأتيها إعصار فيحرقها، أو ربما تموت قبل أن تصلح للانتفاع بها، فتفوت المصلحة منها. وأما الجنة - نسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم من أهلها - فليست كذلك. وهذا توضيح من الشيخ رحمه الله لبعض معاني هذا البيت. فقوله: «وحي على روضاتها وخيامها» معناه: أقبل على هذه الروضات والخيام، بماذا؟ بالأعمال الصالحة، وهي كثيرة قولية وفعلية وقلبية. وقوله: «وحي على عيش بها لا يسأم» أقبل على هذا العيش الذي ليس فيه سآمة، لماذا؟ لأن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وليس فيها ما يتأذى فيه الإنسان، فهم يعيشون في حياة ليست كحياة الدنيا، فلا يتغوطون ولا يبولون، ولا ينالهم ما ينال الناس من أذى في هذه الدنيا. قال: ثم قال رحمه الله: وحي على يوم المزيد الذي به زيارة رب العرش فاليوم موسم، وحي على واد هناك أفيح، وتربته من أذفر المسك. أعظم منابر من نور هناك، وفضة، ومن خالص العقيان لا تتقصم. ومن حولها كثبان مسك، مقاعد لمن دونهم. هذا العطاء المفخم يرون به الرحمن جل جلاله كرؤية بدر التمام، لا يتوهم أو الشمس صحوا ليس من دونها سحاب، ولا غيم هناك يغيم. قال شيخنا رحمه الله: اللهم لا تحرمنا رؤية هذا المنظر، أي هذا المنظر العظيم مما وصفه المؤلف رحمه الله بهذه الأبيات التي فيها من الفصاحة والبيان وحسن النظام ما أحسن فيه التعبير. فقوله: «وحي على يوم المزيد الذي به زيارة رب العرش فاليوم موسم» أي أقبل على يوم المزيد، وسأتي تفسيره إن شاء الله في كلام شيخنا. قال شيخنا رحمه الله: وقوله «يوم المزيد» قد جاء في الآثار أنه يوم الجمعة، وأن وقت اللقاء ووقت صلاة الجمعة يلاقي أهل الجنة ربهم عز وجل، وينظرون إليه كما ينظروا إلى القمر ليلة البدر، لأنه سبحانه وتعالى أعظم من أن يكون له متيل، ولكن المعنى أن الرؤية تتحقق كما تتحقق رؤية القمر ليلة البدر، كما قال رحمه الله: «أو الشمس صحوا ليس من دونها سحاب، ولا غيم هناك يغيم». وهكذا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكما جاءت بذلك الآيات القرآنية. يريد رحمه الله حديث جرير من عبد الله البجلي، وغيرها من الأحاديث والآيات ما جاء في قول الله عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. وهكذا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. وأما قول شيخنا رحمه الله: وجاء في بعض الآثار أنه يوم الجمعة، هكذا جاء في بعض الأحاديث، ولكنه لم يصح. وأن الناس يلتقون في يوم الجمعة، وهو يوم سوقهم، ومزيد فضل الله عز وجل عليهم، ولكن لم تصح تلك الأحاديث التي وردت بهذا التفصيل. وأما معنى الإكرام يوم الجمعة فله عمومات تؤيده، فهو من أيام عيد المسلمين الذي يكرم به أهل الإسلام والإيمان فيه. وفيه فضل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في فضل يوم الجمعة: «كيف تاه اليهود والنصارى عنه، فوفق الله عز وجل الإسلام لهذا اليوم». ويوم المزيد يشمل ما يزيده ربنا جل وعلا من عظيم فضل على عباده، ولا مانع أن يكون له مواضع، ومن ذلك وقت رؤية الرب سبحانه وتعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، فسر أنه النظر إلى وجه الله جل وعلا. وقوله سبحانه: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ أي من عظيم فضل الله سبحانه وتعالى. فإذا كان أدنى أهل الجنة وآخرهم مدخلا يعطى مثل الدنيا وعشر أمثالها، فيزيده ربنا جل وعلا فوق ما يشاء طلب شيئا يسيرا، فزاده الله عز وجل أضعاف ذلك بأضعاف مضاعفة. فكذلك عظيم فضل الله سبحانه وتعالى لمن أحسن من عباده. قال رحمه الله: ولقد حرم لذة الصدق في الدنيا من أنكر هذه الرؤية، وقال: إنها رؤية الثواب وليست رؤية الرب عز وجل، أو قال: إنها كناية عن علم اليقين الذي يكون في قلوبهم. فلقد حرم هذا لذة التصديق، ويخشى أن يحرم لذة التحقير يوم القيامة، والعياذ بالله، لأن هذا الأمر الآيات فيه واضحة، والأحاديث فيه متواترة، كما قيل: مما تواتر حديث من كذب، ومن بنى لله بيتا واحتسب. رؤية شفاعة، والحوض، ومسوخ فيني. وهذا بعض. فالآيات ظاهرة طافحة، والأحاديث متواترة متكاثرة، قد تلقاها أهل العلم والإيمان بالتصديق والإيقان. فالرؤية إذن ليست فيها إشكال، ولكن هل يدرك أهل الجنة ربهم عند رؤيته؟ الجواب: لا يدركونه، لأن الله سبحانه يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. فكما أننا لا نحيط به سبحانه علما، فإننا لا نحيط به رؤية. فها نحن نرى الشمس، ولكن لا نحيط بها. إذن فالله عز وجل يرى، ولكن لا يحاط به. ونحن نراه كيف يشاء سبحانه وتعالى. والصحيح في تفسير الإدراك هو الإحاطة، «لا تدركه الأبصار» أي لا تحيط به الأبصار. وليس معنى «لا تدرك الأبصار» أي لا تراه الأبصار، لأن نفي الإدراك ليس هو نفي للرؤية، بل هو نفي للإدراك الذي من معانيه الإحاطة. وأما الرؤية فقد جاء إثباتها بأدلة الكتاب والسنة المتواترة، كما أشار الشيخ رحمه الله، وهو مقرر في كتب العقائد. وتفاصيل هذه الأدلة تذكر في مثل تلك المضام. لكن المقام هنا اقتضى التنبيه، لأن هذا من عظيم نعم الله، ومع ذلك يوجد من ينكره، فلهذا أشار الشيخ بهذا التنبيه وهذه اللفتة. وإلا فتفصيل مثل هذا في كتب العقائد. وقول المؤلف رحمه الله: «أو الشمس صحوا ليس من دونها سحاب، ولا غيم هناك يغيم» صح، وكذلك صرح به بعض الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأحاديث إثبات الرؤية كثيرة. وأما قول شيخنا رحمه الله في الشرح: «لا يدركونه» إلى قوله: «نحن نرى الشمس ولكن لا نحيط بها» المراد كما ذكر العلماء: ليس تشبيه المرئي بالمرئي، ولكن المراد تشبيه الرؤية بالرؤية. فكما أن رؤية الشمس ليس دونها سحاب تكون واضحة، وكذلك القمر في ليلة البدر لا يغطيها غيم ولا ضيم ولا غبار ولا قتر، فتكون واضحة. فكذلك رؤية الرب سبحانه وتعالى في الوضوح والجلاء. فإذن المراد تشبيه وضوح الرؤية بوضوح الرؤية، وليس المراد تشبيه المرئي بالمرئي. ولهذا قال في الأخير: «ونحن نراه كيف يشاء سبحانه وتعالى». فكيفية الرؤية الله أعلم بها. والمقصود من هذا التمثيل ليس ذكر كيفية معينة، لأن الكيف مجهول، فهو من الغيب الذي لا نعلمه، ولم يعلمنا الله به، ولا رسوله عليه الصلاة والسلام. فلهذا نحن لا نعرف هذه الكيفية، والخوض فيها خوض في الغيب الذي لا يجوز للإنسان أن يخوض فيه. فالله سبحانه وتعالى اختص بعلم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا من علمه الله. وما دام أن الله لم يعلمنا فلا يجوز لنا الخوض في هذا الباب. فننتبه لهذا الموطن الدقيق الذي قد يخطئ فيه بعض الناس. قال: ثم قال رحمه الله: فبينما هم في عيشهم وسرورهم وأرزاقهم تجري عليهم وتقسم، إذا هم بنور ساطع قد بدا لهم، وقد رفعوا أبصارهم، فإذا هم. قال: يعني بينما هم في العيش والسرور والنعيم واللذة - اللذة البصرية والسمعية والقلبية - أما البصرية: فبرؤية كل نعيم من نعيم الجنة، وأعظم ذلك رؤية الرب سبحانه وتعالى. وأما السمعية: بسمع كل ما تتنعم به الأسماع من عظيم ملذات الله سبحانه وتعالى، كما سبق: فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فالقلوب كذلك تتنعم. قال: فإن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فهو نعيم لا يمكن أن ندركه في الدنيا أبدا، ولا يخطر على قلوبنا، ولا نراه في غيرنا، لأنه ليس لها مثيل ولا نظير. ولهذا لا يمكن خطوره في القلب، ولا تصوره في الذهن. ولكن جاءت المعاني من أدلة الكتاب والسنة تقرب هذا النعيم. وكما قيل: ليس في الآخرة من الدنيا إلا الأسماء. ولهذا كذلك كما تقدم: فيها ما لا عين رأت، والأذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وقوله: «إذا هي» إذا الفجائية، يعني إذا هم بنور ساطع قد بدا لهم، فيفاجؤون بهذا النور. قال: وقولهم: «إذا هم بنور ساطع قد بدا لهم، وقد رفعوا أبصارهم، فإذا هم» يعني: فبينما هم في هذا النعيم، إذا بهم يفاجؤون بنور ساطع قد بدا لهم، فيرفعون إليه أبصارهم، فيقولون: ما هذا النور العظيم؟ فإذا هم بالله عز وجل، يقول لهم: وهو فوقه، «سلام عليكم طبتم ونعمتم». الله أكبر، فما أحلى هذا الكلام، وما أجل هذا الصوت، عندما يقول الرب: «سلام عليكم» يعني معنى ما جاءت به الآيات وصحت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وهذا خبر وليس بدعاء، لأن الله عز وجل لا يدعو لأحد، بل هو المدعو سبحانه وتعالى. فمعنى «سلام عليكم» أي من كل الآفات. ومعنى «قد سلمتم» قد سلمتم. وهذا معنى الرضوان على العباد. ولهذا كان من عظيم نعمة الله على عباده المؤمنين يوم القيامة أن يرضى عليهم، ولا يسخط عليهم أبدا. قال: ثم قال بعد السلام: «طبتم ونعمتم» أي بالقلب والبدن والسرور. اللهم إننا نسألك أن توفقنا لذلك، إنك جواد كريم. والحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبهذا نكون قد انتهينا من النظر والقراءة في هذه المنظومة وشرحها. نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بها في الدنيا وفي الآخرة، وأن يجعلها عونا لنا على ما فيه صلاح ديننا ودنيانا. وما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان. واستغفروا الله العظيم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وجزاكم الله خيرا.