القول السديد في مقاصد التوحيد  78

القول السديد في مقاصد التوحيد 78

الدرس الثامن والسبعون:من(فيه مسائل-الأولى:إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة ...فهذا التفصيل يبين لك حكم هذه المسألة كبيرة الشأن ويوجب لك أن تنزل الأمور منازلها والله أعلم).

مسائل الشرك الأصغر والأكبر في إرادة الدنيا بالعمل

يتناول شرح مسائل إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة وتفسير بعض الآيات والأحاديث ذات الصلة بالإخلاص والرياء. يوضح أن إرادة الدنيا بالعمل قد تكون شركًا أصغر أو أكبر.

علاج الرياء وآثاره على العمل والإيمان

يشرح الرياء وآثاره على العمل والإيمان، ويبين أن الرياء يمكن أن يؤدي إلى بطلان العمل إذا كان دافعًا أساسيًا. كما يتناول طرق علاج الرياء بالعلم والمعالجة بالضد وتعويد النفس على التواضع.

أحكام متفرقة في الأجرة على العمل الصالح وتعليق التمائم

يتناول حكم أخذ الأجرة على العمل الصالح مثل تعليم القرآن، والفرق بين من يأخذ الأجرة بقصد الاستعانة على الخير ومن يأخذها بقصد الدنيا. كما يشرح حكم تعليق التمائم والصلاة خلف من يعلقها.

  • 15 جمادى الأولى 1432هـ - 18/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فيه مسائل، الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة، أي من مسائل هذا الباب، باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا. إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة، ومعناه أنه يتصور وقوع ذلك. قد يقول قائل: أن هذا غير متصور، فبالتنصيص على هذه المسألة مع ذكر الأدلة السابقة تبيين، توضيح أنه يتصور وقوع ذلك، وهذا من الشرك كما تقدم، قد يكون أصغر، وقد يكون أكبر، وهو أن يريد الإنسان بعمله الأخروي الدنيا. قال: الثاني تفسير آية هود، كما تقدم، وكيف أنها تحتمل أكثر من معنى، كله يدخل في معنى ينافي الإخلاص والتوحيد الذي يجب أن يكون عليه المسلم. قال: الثالثة تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة، وتقدم معنى كذلك معنى هذه التسمية، وهذه العبودية، فالأصل أنها بمعنى الشرك الأصغر على قول من يقول: أنه كل ما يفضي إلى الشرك الأكبر، وقد تصل إلى حد الشرك الأكبر على ما سبق بيانه. قال: الرابع تفسير ذلك بأنه إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، وعلمنا كما تقدم أن هذا من علامة وقوع هذه العبودية، بأن يكون ميزانه هو هذا، وسبق بيانه وتوضيحه. قال: الخامس قوله: «تعسا وانتكس» أي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن فاعل ذلك مذموم، ومن شدة الذم دعا عليه النبي عليه الصلاة والسلام بالتعاسة والانتكاس. قال: السادس قوله: «وإذا شيك فلن تقش» ومر معنى أن المراد به الشوكة إذا دخلت، فلا أعانه الله على نقشها وإخراجها، دعاء من النبي عليه الصلاة والسلام، وليس المقصود الشوكة حسب، بل الشوكة وما فوقها من المصائب التي يبتل بها، دعاء عليه بأن لا يرفع عنه بلاء ولا مصيبة. قال: السابع الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات، وهو كما تقدم مثال لمعنى تحقق العبودية لله عز وجل بالخمول وعدم الالتفات إلى الدنيا ولا ثناء الناس، لأنه يريد ما عند الله سبحانه وتعالى. قال الشارح رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الرياء، ثم قال: باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا. قال: اعلم أن الإخلاص لله أساس الدين وروح التوحيد والعبادة، وهو أن يقصد العبد بعمله كله وجه الله وثوابه وفضله، فيقوم بأصول الإيمان الستة وشرائع الإسلام الخمس، وحقائق الإيمان التي هي الإحسان، وبحقوق الله وحقوق عباده، مكملا لها، قاصدا بها وجه الله والدار الآخرة، لا يريد بذلك رياء ولا سمعة ولا رياسة ولا دنيا، وبذلك يتم إيمان وتوحيده. ومن أعظم ما ينافي هذا مراءاة الناس والعمل لأجل مدحهم وتعظيمهم، أو العمل لأجل الدنيا، فهذا يقدح في الإخلاص والتوحيد. فما ذكره رحمه الله قليل من كثير من معاني الإخلاص لله عز وجل في الدين والتوحيد له بالعبادة. فالعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فما ينافيها يقدح في التوحيد والإخلاص، ومنه ما ذكره من الرياء والسمعة والرياسة والدنيا. قال: واعلم أن الرياء فيه تفصيل، فإن كان الحامل للعبد على العمل قصد مراءاة الناس، واستمر على هذا القصد الفاسد، فعمله حابط، وهو شرك أصغر، ويخشى أن يتذرع به إلى الشرك الأكبر، وتقدم معنا أنه قد يكون من أول الأمر شرك أكبر، ويتصور هذا من المنافق. وكذلك يفضي إلى الشرك الأكبر إذا تعالى ذاك العجب والغرور، وتوسع ذاك الرياء حتى ارتد عن دين الله عز وجل بفعل سبب من أسباب الردة، وهذا يتصور. فإن الكبر بطر الحق وغمط الناس، وبطر الحق قد يتناول تفاصيل توجب الردة، وهذا متصور. قال: وإن كان الحامل للعبد على العمل إرادة وجه الله مع إرادة مراءاة الناس، ولم يقلع عن الرياء بعمله، فظاهر النصوص أيضا بطلان هذا العمل، أصل العمل لله ثم يعرض عليه حب ثناء الناس ومراءاتهم، فهذا كذلك كما ذكر ظاهر النصوص بطلان هذا العمل أيضا. «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» إذا دخل أمر المراءة في أصل العمل. قال: وإن كان الحامل للعبد على العمل وجه الله وحده، ولكن عرض له الرياء في أثناء عمله، فإن دفعه وخلص إخلاصه لله لم يضره، وإن ساكنه واطمأن إليه نقص العمل، وتقدم توضيح ذلك. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم»، فمدافعة الخواطر يؤجر عليه الإنسان ولا يضره. وأما قوله: «وإن ساكنه واطمأن» يعني استقرت تلك الخواطر وصارت باقية ولها أثر، فهنا ينقص العمل. قال: وحصل لصاحبه من ضعف الإيمان من ضعف الإيمان والإخلاص بحسب ما قام في قلبه من الرياء، لأنها معصية ونقص في الطاعة. قال: بحسب ما قام في قلبه من الرياء. قال: وتقاوم العمل لله وما خالطه من شائبة الرياء، يعني حصل هناك تقويم، فينظر كم له في عمله لله، وكم لغير الله. قال: والرياء آفة عظيمة، ويحتاج إلى علاج شديد، وتمرين النفس على الإخلاص، ومجاهدتها في مدافعة خواطر الرياء والأغراض الضارة، والاستعان بالله على دفعها، لعل الله يخلص إيمان العبد ويحقق توحيده. ومن أعظم ما يستعين به المسلم في علاج الرياء أمور كثيرة، من أهمها ثلاثة أمور. الأمر الأول: العلم، فبالعلم يستنير ما ينتفع به في معرفة الداء وتشخيص الدواء في كل موضع بحسبه. والأمر الثاني: المعالجة بالضد، فإن كان سبب الرياء حب المدح، فليبتعد عن ذلك، وليذكر نفسه -لا غيره- بذكر معايب نفسه. وليس من علاج الرياء ذكر المعايب للناس، لأن ذكر المعايب للناس مع ما فيه من فضيحة النفس، وقد أمر العبد بالستر فيه، كذلك ما يعين الناس على الشر والوقوع فيه، وقد نهينا عن مثل ذلك. وربما كان وضعه وطرحه بسياق وسباق يكون فيه شيء من المدح. وكما قيل: «كفى بالنفس مدحا ذمها لمدحها»، «كفى بالنفس مدحا ذمها لمدحها»، فهو إذن مدح من باب آخر. لكن الصواب أن يذكر نفسه بهذه المعايب بما يوجب له الانكسار. والثالث: تعويد نفسه على كل قول وفعل علم أنه يعين على التواضع والضعة والخمول، ولا ينبغي أن يكون ذلك كذلك على حساب المطلوب المحمود شرعا من التعليم والنصح والتوجيه للخير والقدوة فيه، والأمر وسط لا إفراط ولا تفريط. قال رحمه الله: وأما العمل لأجل الدنيا وتحصيل أغراضها، فإن كانت إرادة العبد كلها لهذا المقصد، ولم يكن له إرادة لوجه الله والدار الآخرة، فهذا ليس في الآخرة نصيب. كما تقدم، قال: وهذا العمل على هذا الوصف لا يصدر من مؤمن، فإن المؤمن ولو كان ضعيف الإيمان لابد أن يريد الله والدار الآخرة، وهذا هو الأصل في عمل المؤمن، فإن كان هناك رياء أو شيء فهو عارض. قال: وأما من عمل العمل لوجه الله ولأجل الدنيا، والقصدان متساويان أو متقاربان، فهذا وإن كان مؤمنا، فإنه ناقص الإيمان والتوحيد والإخلاص، وعمله ناقص لفقده كمال الإخلاص. وأما من عمل لله وحده وأخلص في عمله إخلاصا تاما، ولكنه يأخذ على عمله جعلا ومعلوما يستعين به على العمل والدين، كالجعالات التي تجعل على أعمال الخير، وكالمجاهد الذي يترتب على جهاده غنيمة أو رزق، الغنيمة من المغنم، والرزق من ولي الأمر شيء شهري يعطى، يستعين به في النفق على نفسه وأسرته. قال: وكالأوقاف التي تجعل على المساجد والمدارس والوظائف الدينية لمن يقوم بها، فهذا لا يضر أخذه في إيمان العبد وتوحيده، لكونه لم يرد بعمله الدنيا، وإنما أراد الدين، وقصد أن يكون ما حصل له معينا له على قيام الدين. ولكن كما تقدم معنا لابد من أن يحرص على تصحيح نيته. وتقدم معنا قول أهل العلم: «من أخذ ليحج جاز، ومن حج ليأخذ لم يجز». من كان نيته من الأخذ هو ذاك الأخذ، فهذا ربما يضر بعمله، ومن أخذ ليستعين به على العمل الصالح فهو مأجور، وهو إن شاء الله معان. وبهذا المعنى تجتمع الأدلة الواردة في أخذ الأجر على القرآن، والنهي عن الأخذ عن الأجرة. فإن كان الأخذ ليس لأجل الأجرة، ولكن لأجل الاستعانة والإعانة على الخير، الاستعانة بهذا المال للاستمرار بطريق الخير ولعانة عليه، فهذا مأذون فيه. وإن كان لأجل الأجرة فلا، ويخش عليه مما ورد في هذا الباب. وأما حديث «بسعيد في فسة الملدوغ» فلهم حق، وهو حق الضيافة. وللعلماء توجيهات أخرى مر معنا في دروس سابقة. قال: ولهذا جعل الله في الأموال الشرعية كالزكوات وأموال الفي وغيرها جزءا كبيرا لمن يقوم بالوظائف الدينية والدنيوية النافعة، كما قد عرف تفاصيل ذلك. ومعناه أن الشرع حين أذن بمثل هذه التصرفات على ما هو مبين معروف في كتب الفقه، علماء أن هذا مما أذن فيه، مع أنها تكون في طاعات وعبادات، وعبادات. لكن كما قلنا يحرص المسلم على تصحيح نيته. قال: فهذا التفصيل يبين لك حكم هذه المسألة كبيرة الشأن، ويوجب لك أن تنزل الأمور منازلها. والله أعلم. هذا سائل يقول: هذه أسئلة من بعض إخواننا السلفيين من السنغال، يقول: في بلدنا كثير من المسلمين يعلقون التمائم، حتى بعض إمة المساجد، علما أن التمائم ليست آيات من القرآن، فهل يجوز الصلاة خلفهم؟ الغالب على مثل هذه البلاد الأفريقية الجهل بأحكام هذه التمائم، بل وربما لبس عليهم بعض علماء الضلال والسوء بالشبه، فيذكرون لهم بعض الآثار مما يظنون أن الصحابة كانوا يعلقون التمائم. وقد أخبرنا بعض الإخوان الذين ذهبوا إلى بعض بلاد الهند وأفريقيا أنهم حين ناقشوا بعض أولئك الجهال قالوا لهم: «أنتم أبناء الصحابة، أنتم أولى بهذه التمائم منا». انظر إلى الجهل: «أنتم أولى بهذه التمائم منا لأن أجدادكم كانوا يعلقونها». ثم أتى له بكتاب وذكر له أثر عبد الله بن عمرو بن العاص مع أبنائه. وتعرفون الحديث ضعيف، وإذا صح فوجه بأنه إنما كانوا يعلقون ألواح القرآن التي يحفظون فيها لأنهم صغار يستعينون بذلك على الحفظ. فالشاهد: الغالب في أمثال هؤلاء الجهل، والجهل عذر، وليس معنى ذلك أن تترك الأمر هكذا، بل تستمر في النصح والتوجيه متى ما تيسر لك ذلك من دون مفسدة. فإن غلب على ظنك أنه سيستجيب فاستمر، وإن تبين لك في ثنايا النصح أنه قد قامت عليه الحجة ولكنه عاند، فعند ذلك انظر نوع هذه التميمة. إن كانت توصل إلى الشرك الأكبر، فيعتقد أنها تنفع وتضر، وغير ذلك من معاني الشرك الأكبر، فعند ذلك أترك الصلاة خلفه، فلا تصح الصلاة خلف مشرك. ولا يكن ذلك سببا لإثارة فوضى في المجتمع، فتقول: «فلان مشرك»، لا يكفي أن تترك أنت الصلاة خلفه، ودرء المفاسد أو لم من جلب المصالح. يقول: إذا وجدنا الإمام في حال الركوع، هل الواجب علينا تكبيرة الإحرام فقط، أو هي والتكبير للركوع معا؟ يكفيك تكبيرة الإحرام، تحريمها التكبير، والتكبير الثانية لا تحتاج إليها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أدركتم فصلوا»، فأنت تدرك الإمام في مكانه الذي هو فيه، يكفيك تكبيرة الإحرام وتدخل في الصلاة. والله تعالى أعلم.