الإيمان الأوسط 25

الإيمان الأوسط 25

الدرس في الإيمان الأوسط 25، الدرس الخامس والعشرون:(فصل:إذا تبين هذا وعلم أن الإيمان الذي في القلب من التصديق والحب ... كتقدير موجب تام بلا موجبه وعلة تامة بلا معلولها وهذا ممتنع) ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الإيمان وعلاقته بالأعمال

يناقش الشيخ مفهوم الإيمان وعلاقته بالأعمال الظاهرة، ويوضح أن الإيمان يشمل الباطن والظاهر. استعمال لفظ الإيمان يختلف باختلاف السياق، فإذا أفرد عن الإسلام تناول الباطن والظاهر، وإذا اقترن بالإسلام تناول الباطن فقط.

دخول الأعمال الظاهرة في الإيمان

يناقش المقطع مسألة دخول الأعمال في مسمى الإيمان، ويبين أن الأعمال الظاهرة داخلة في الإيمان. الشارع يقرن العمل بالإيمان كما يقرن بالحج والصيام ما هو من تمامه، ويرد على القول بأن الأعمال الظاهرة لوازم للباطن ولا تدخل في الإيمان.

الرد على من ينكر دخول الأعمال في الإيمان

يناقش المقطع اعتبار الأعمال الظاهرة جزءا من الإيمان، ويرد على من يرى أنها ليست داخلة في مسمى الإيمان. يبين أن عدم الأعمال الظاهرة يدل على نقص أو عدم الإيمان في القلب، مستدلا بالقرآن والسنة.

ختام الدرس وتأجيل الباقي

المضمون الرئيسي للمقطع هو التأكيد على أن الإيمان الصحيح يكون في القلب، وتأجيل إكمال الموضوع إلى درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، إذا تبين هذا وعلم أن الإيمان الذي في القلب من التصديق والحب وغير ذلك يستلزم الأمور الظاهرة من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة، كما أن القصد التام مع القدرة يستلزم وجود المراد، وأنه يمتنع مقام الإيمان الواجب في القلب من غير ظهور موجب ذلك ومقتضاه -يعني في الجوارح- فإذا وجد إيمان في القلب فلابد أن يكون لذلك دليل موجب له ومقتضي عليه يظهر في الجوارح. قال: زالت الشبهة العلمية في هذه المسألة، ولم يبق إلا نزاع لفظي في أن موجب الإيمان الباطن هل هو جزء منه داخل فيه مسمى، فيكون لفظ الإيمان دالا عليه بالتضمن والعموم، أو هو لازم للإيمان ومعلول له وثمرة له، فتكون دلالة الإيمان عليه بطريق اللزوم -يعني إذا قلنا أنه لابد من ظهور هذا الإيمان في الجوارح، بقي هل يسمى هذا إيمانا أو لا يسمى، هل نقول أنه إيمان أم هو لازم الإيمان؟ يقول رحمه الله: إذا أثبتنا هذه المسألة، بقي الكلام في هذا اللفظ. ولكن قوله رحمه الله: «ولم يبق إلا نزاع لفظي» ليس معناه التهوين من هذا النزاع، ولكن هو تدرج بهؤلاء المخالفين لإثبات ما يجب إثباته في هذا المقام، وإلا فلو لم يكن إلا مخالفة النصوص في هذا الباب لكان كافيا في كونه فوق أن يكون أمرا لفظيا، فكيف إذا ترتب عليه مسائل وتنفتح به مخالفات وبدع؟ وقد تقرر وتقدم أن الإيمان لا ينحصر بما في القلب، بل هو قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، بل ويزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. قال رحمه الله: وحقيقة الأمر أن إسم الإيمان يستعمل تارة هكذا وتارة هكذا كما قد تقدم -يعني تارة يطلق فيتناول ذلك كله الظاهر والباطن، وتارة يطلق فيتناول الباطن دون الظاهر- متى؟ إذا اقترن به لفظ الإسلام، إذا اقترن به لفظ الإسلام. قال: كما قد تقدم، فإذا قرن اسم الإيمان بالإسلام أو العمل كان دالا على الباطن فقط، مثل حديث جبريل، قرن الإيمان بالإسلام، ومثل الآيات: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قرن الإيمان بماذا؟ بالعمل، فصار الإيمان مسمى لما في القلب، والعمل لما في الجوارح. ثم هل هذا من باب عطف الخاص على العام كما تقدم؟ أو غير ذلك؟ مر معنا أن الصواب أنه من عطف الخاص على العام، وقول غير ذلك وإن كان المعنى واحد، لكن خلاف الأحوط والأكمل في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: وإن أفرد اسم الإيمان فقد يتناول الباطن والظاهر، وبهذا تأتلف النصوص -يعني تجتمع- وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، هذه القاعدة فيما ظاهره التعارض أو الاختلاف، فما دام يمكن أن تجمع الأدلة على معنى يصح به نصوص الكتاب والسنة، فهذا هو الواجب. قال: فقول: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» وتقدم معنى التنبيه على لفظة «سبع» «بضع وسبعون»، وأن الأصح لفظة «بضع وستون» ما اتفق عليه الشيخان. قال: أفرد لفظ الإيمان فدخل فيه الباطن والظاهر، ويؤكده ما ذكر في تفاصيل هذا المجمل: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، فعلم أن كل ذلك يدخل في معنى الإيمان: ما في القلب وما في اللسان وما في الجوارح. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر» ذكره مع قوله صلى الله عليه وسلم: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت»، فلما أفرده عن اسم الإسلام ذكر ما يخصه الإسم في ذاك الحديث مجردا عن الاقتران، وفي هذا الحديث مقرونا باسم الإسلام، ومعناه أنه تناول ما في القلب. قال: وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ دخل فيه الباطن -يعني كما تقدم إذا افترقا اجتمعا- فقد يدخل الإيمان في مسمى الإسلام كما يدخل الإسلام أحيانا في مسمى الإيمان إذا أفرد أحدهما عن الآخر. قال: فلو أتى بالعمل الظاهر دون الباطن لم يكن ممن أتى بالدين الذي هو عند الله الإسلام، فعلم أن معنى الدين هاهنا الذي هو الإسلام يتناول الظاهر والباطن. قال: وأما إذا قرنا الإسلام بالإيمان كما في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، وقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ فقد يراد بالإسلام الأعمال الظاهرة كما في حديث أنس الذي في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الإسلام علانية والإيمان في القلب» وتقدم أنه لم يصح مرفوعا، ومعناه صحيح. قال رحمه الله تعالى: ومن علم أن دلالة اللفظ تختلف بالإفراد والاقتران كما في اسم الفقير والمسكين والمعروف والمنكر والبغي وغير ذلك من الأسماء، وقد تقدم معنى الكلام على هذا. قال: وكما في لغات سائر الأمم: عربها وعجمها، زاحت عنه الشبهة في هذا الباب والله أعلم. فهذا ليس فقط في لغة العرب، بل حتى في لغة العجم، فهناك من الألفاظ ما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، فيدخل أحدهما في الآخر عند الانفراد، وعند الاجتماع يكون في أحدهما زيادة معنى عن الآخر. قال: فإن قال قائل: اسم الإيمان إنما يتناول الأعمال مجازا، قيل: أولا ليس هذا بأولى ممن قال: إنما تخرج عنه الأعمال مجازا، بل هذا أقوى؛ لأن خروج العمل عنه إنما هو إذا كان مقرونا باسم الإسلام والعمل، وأما دخول العمل فيه فإذا أفرد كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان: «بضع وسبعون شعبا أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، فإنما يدل مع الاقتران أولى باسم المجاز مما يدل عند التجريد والإطلاق. قال: وقيل له ثانيا: لا نزاع في أن العمل الظاهر فرع عن الباطن وموجب له ومقتضاه كما تقدم معنا. قال: لكن هل هو داخل في مسمى الإسم وجزء منه؟ أو هو لازم للمسمى كالشرط المفارق والموجب التابع؟ ومن المعلوم أن الأسماء الشرعية والدينية كإسم الصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك هي باتفاق الفقهاء اسم لمجموع الصلاة الشرعية والحج الشرعي. قال: ومن قال: أن الإسم إنما يتناول ما يتناوله عند الإطلاق في اللغة، وأن ما زاده الشارع إنما هو زيادة في الحكم وشرط فيه لا داخل في الإسم -كما قال ذلك القاضي أبو بكر بن الطيب والقاضي أبو يعلى ومن وافقهما- على أن الشرع زاد أحكاما شرعية جعلها شروطا في القصد والأعمال والدعاء، ليست داخلة في مسمى الحج والصيام والصلاة، فقولهم مرجوح عند الفقهاء وجماهير المنسوبين إلى العلم. قال: ولهذا كان الجمهور من أصحاب الأئمة الأربع على خلاف هذا القول. والمقصود: إذا كان معنى الصلاة الشرعي والحج الشرعي يتناول كل ما يدخل في معنى هذا الصلاة قولا وفعلا، فكذلك معنى الإيمان الشرعي يدخل كل ما هو من تفاصيل هذا اللفظ، ولابد، فهو يستدل عليهم بمثل هذه الأدلة. قال: فإذا قال قائل: إن اسم الإيمان إنما يتناول مجرد ما هو تصديق، وأما كونه تصديقا بالله وملائكته وكتبه ورسله، وكون ذلك مستلزما لحب الله ورسوله ونحو ذلك، هو شرط في الحكم لا داخل في الإسم -إن لم يكن أضعف من ذلك القول، فليس دونه بالضعف- فكذلك من قال: الأعمال الظاهرة لوازم للباطن لا تدخل في الإسم عند الإطلاق، يشبه قول هؤلاء. قال: فإذا علم أن هذا باطل، فهذا كذلك باطل، ورجعنا للصواب، وهو أن ما في الجوارح من الإيمان، فالإيمان قول وعمل. قال رحمه الله: والشارع إذا قرن بالإيمان العمل، فكما يقرن بالحج ما هو من تمامه، كما إذا قال: «من حج البيت وطاف وسعى ووقف بعرفة ورم الجمار»، ومن صلى فقرأ وركع وسجد، كما قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا»، ومعلوم أنه لم يكن صوما شرعيا إن لم يكن إيمانا واحتسابا. قال: وقال: «من حج هذا البيت فلم يرفت ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه»، ومعلوم أن الرفث الذي هو الجماع يفسد الحج، والفسوق ينقص ثوابه. وكما قال صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا» وتمام الحديث، «فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا في ذمته» والحديث كما أشار من أفراد الإمام البخاري. قال: فذكر المحافظة عليها، ومعلوم أنه لا يكون مصليا لها على الوجه المأمور إلا بالمحافظة عليها، ولكن بيّن أن الوعيد مشروط بذلك، ولهذا لا يلزم من عدم المحافظة ألا يصليها بعد الوقت، فلا يكون محافظا عليها؛ إذ المحافظة تستلزم فعلها كما قال: «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى» نزلت لما أخرت العصر عام الخندق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس». قال: وبهذا يظهر أن الاحتجاج بذلك على أن تارك الصلاة لا يكفر، حج ضعيفة، لكنه يدل على أن تارك المحافظة لا يكفر، فإذا صلاها بعد الوقت لم يكفر، وإنما يلحق الوعيد. و«إن للمصليين الذين هم عن صلاتهم ساهون» جاء عن عدد من الصحابة، أما إنهم لم يتركوها بالكلية، ولكنهم أخروها عن وقتها، فعلم أن تأخيرها -وهو من عدم المحافظة عليها- لا يفضي إلى الكفر، بخلاف تركها؛ فإن النصوص دلت على الكفر. قال: فنحن الآن في الكلام على إدخال الأعمال في مسمى الإيمان، لكن لما ضرب هذه الأمثلة وتناولت بعض هذه الأمثلة مسائل خلافية، شرع في بيان الراجح في هذه المسائل الخلافية. قال رحمه الله: ولهذا جاءت في الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، قيل: يا رسول الله، لا نقاتلهم؟ قال: «لا ما صلوا»، ومعنى أن الصلاة من علامات الإيمان والإسلام، وتركها من موجبات الكفر. قال: فهو يؤكد أن لفظ الكفر الذي جاء في الألفاظ لتارك الصلاة هو الكفر الأكبر، «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، وحديث جابر في مسلم: «بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة». قال رحمه الله: وكذلك لما سئل ابن مسعود عن قوله تعالى: ﴿ضَلُّوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ قال: هو تأخيرها عن وقتها، فقيل له: كنا نظن ذلك تركها، فقال: لو تركوها كانوا كفارا. قال: وهذا الأثر روي عن عبد الله بن مسعود من طرق، وقد صححه جماعة من أهل العلم عنه رحمه الله، ونحوه عن عمر بن عبد العزيز كما أشار في التعليق. قال رحمه الله: والمقصود أنه قد يدخل في الإسم المطلق أمور كثيرة، وإن كانت قد تخص بالذكر، ولا منافاة إذن بين ما يدخل في هذا الإسم المطلق ولو خص بالذكر. قال: وقيل لمن قال: دخول الأعمال الظاهرة في اسم الإيمان مجاز، نزاعك لفظي؛ فإنك إذا سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب الذي في القلب، موجباته، كان عدم اللازم موجبا لعدم الملزوم، فيلزم من عدم هذا الظاهر عدم الباطن، فإذا اعترفت بهذا كان النزاع لفظيا. قال: ومعنى لفظيا -يعني في كونه يرى أنه لابد من الأعمال- وهذا شبيه بقول مرجئة الفقهاء، فمرجئة الفقهاء وإن لم يدخل الإيمان في مسمى لم يدخل الأعمال في مسمى الإيمان، لكنهم يلزمون بالأعمال، يلزمون بالأعمال. وقول شيخ الإسلام ها هنا: بأن مثل هذا خلاف لفظي ونزاع لفظي، ليس معناه التهوين من هذا النزاع، ولكن كما قلنا: يفهم الكلام بالسياق والسباق، يريد رحمه الله إلزام المخالفين بإثبات أن الأعمال من الإيمان. قال: وإن قلت: ما هو حقيقة قول جهم وأتباعه من أنه يستقر الإيمان التام الواجب في القلب مع إظهار ما هو كفر وترك جميع الواجبات الظاهرة؟ قيل لك: فهذا يناقض قولك: إن الظاهر لازم له وموجب له، بل قيل: حقيقة قولك: أن الظاهر يقارن الباطن تارة ويفارقه أخرى، فليس بلازم له ولا موجب ولا معلول له، ولكنه دليل إذا وجد دل على وجود الباطن، وإذا عدم لم يدل عدمه على عدم الباطن. قال: وهذا حقيقة قولك، وهو أيضا خطأ عقلا كما هو خطأ شرعا؛ وذلك أن هذا ليس بدليل قاطع، إذ هذا يظهر من المنافق، فإنما يبقى دليلا في بعض الأمور المتعلقة بدار الدنيا كدلالة اللفظ على المعنى. قال: فلا يكون ما يظهر من الأعمال ثمرة للإيمان الباطن، ولا موجبا له ومن مقتضاه؛ وذلك أن المقتضي لهذا الظاهر إن كان هو نفس الإيمان الباطن لم يتوقف وجوده على غيره. قال: فإنما كان معلولا للشيء وموجبا له لا يتوقف على غيره، بل يلزم من وجوده وجوده، فلو كان الظاهر موجب الإيمان الباطن لوجب أن لا يتوقف على غيره، بل إذا وجد وجد الموجب، وجد الموجب -يعني إذا كانوا يقولون بأن أعمال الظاهر من موجبات ولوازم ومقتضيات الباطن لأعمال الظاهرة- فهذا يستلزم عليهم كما أشارها هنا ما يجب من القول بقول أهل الحق من كونه من الإيمان. قال: وأما إذا وجد معه تارة وعدم أخرى، أمكن أن يكون من موجب ذلك الغير، أمكن أن يكون موقوفا عليهما جميعا، وهذا ما لا يقولون به، فما دام لا يقولون به لزمهم أن يثبتوا هذا المعنى: كون الأعمال الظاهرة من الإيمان. قال: فإن ذلك الغير إما مستقل بالإيمان أو مشارك للإيمان، وأحسن أحوال أن يكون الظاهر موقوفا عليهما معا على ذلك الغير وعلى الإيمان، بل قد علم أنه يوجد بدون الإيمان كما في أعمال المنافق، فحين إذن لا يكون العمل الظاهر مستلزما للإيمان ولا لازما له. قال: بل يوجد معه تارة ومع نقيضه تارة، ولا يكون الإيمان علة له ولا موجب ولا مقتضي، فيبطل حين إذن أن يكون دليلا عليه؛ لأن الدليل لا بد أن يستلزم المدلول، وهذا هو الحق. قال: ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد لما قال: «هو مؤمن؟ قال: أو مسلم؟» وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ فدل ذلك على أن مجرد إظهار الإسلام لا يكون دليلا على الإيمان في الباطن. قال: إذ لو كان كذلك لم تحتج المهاجرات اللاتي جئن مسلمات إلى الامتحان، فدل أن الامتحان يكشف ما في الباطن. قال: ودل ذلك على أنه بالامتحان والاختبار يتبين باطن الإنسان، فيعلم أهو مؤمن أم ليس بمؤمن؟ كما في الحديث المرفوع: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان» والحديث الصحيح أنه لا يصح، وهو من رواية دراج عن أبي السبح عن أبي السمح عن أبي سعيد، وهي رواية ضعيفة. قال: فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ فعلم أن هناك من الأعمال ما يكون بها الاستدلال على سلامة الباطن، وليس ظهور بعض الأعمال في الظاهر دليلا على صحة الباطن. قال: فإذا قيل: الأعمال الظاهرة تكون من موجب الإيمان تارة وموجب غيره أخرى، كالتكلم بالشهادتين تارة يكون من موجب إيمان القلب، وتارة يكون تقيه كإيمان المنافقين، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ ونحن إذا قلنا: هي من ثمرة الإيمان إذا كانت صادرة عن إيمان القلب لا عن نفاق. قال: قيل: فإذا كانت صادرة عن إيمان -إما أن يكون نفس الإيمان موجبا لها، وإما أن تقف على أمر آخر- فإذا كان نفس الإيمان موجبا لها ثبت أنها لازمة لإيمان القلب معلولة لا تفك عنه، وهذا هو المطلوب، وإن توقفت على أمر آخر، كان الإيمان جزء السبب، جعلها ثمرة للجزء الآخر ومعلولة له؛ إذ حقيقة الأمر أنها معلولة لهما وثمرة لهما. قال: فتبين أن الأعمال الظاهرة الصالحة لا تكون ثمرة للإيمان الباطن ومعلولة له إلا إذا كان موجبا لها ومقتضيا لها، وحينئذ فالموجب لازم لموجبه والمعلول لازم لعلته، وإذا نقصت الأعمال الظاهرة الواجبة كان ذلك لنقص ما في القلب من الإيمان، فلا يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب أن تعدم الأعمال الظاهرة الواجبة. قال: بل يلزم من وجود هذا كاملا وجود هذا كاملا، كما يلزم من نقص هذا نقص هذا، التقدير: إيمان تام من في القلب بلا ظاهر من قول وعمل، كتقدير موجب تام بلا موجبه، وعلة تام بلا معلولها، وهذا ممتنع، فإذا صار هذا ممتنع عقلا فهو كذلك ممتنع شرعا. قال: وهذا كله بهذا المعنى: الإيمان الصحيح في القلب. نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.