الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 150، الدرس الخمسون بعد المائة:( قال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا محمد بن جعفر وروح المعنى ... قال:فقال القوم أما النعت فوالله لقد أصاب.حديث صحيح على شرط البخاري ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
بعد الإسراء والمعراج، تحدى الكفار النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه وصف المسجد الأقصى، فوصفه بدقة. هذا التحدي كان فرصة لإظهار دلائل نبوته.
وصف النبي صلى الله عليه وسلم للمسجد الأقصى كان دليلاً على نبوته، كما أن مواجهته للتحديات والاستهزاء كانت نموذجاً للمؤمنين في الصبر والثبات.
الدرس يؤكد على أهمية النصح بأسلوب لائق وتجنب استدراج الآخرين للسخرية منهم، مشيراً إلى أن هذا السلوك من أخلاق الكافرين، ويحث على الصدق وسلامة الصدر.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: أحدثنا محمد بن جعفر وروح -والمعنى واحد- قال: أحدثنا عوف عن زرارة بن أوفى عن ابن عباس. يعني: كل من غندر -وهو محمد بن جعفر- وروح -وهو ابن عبادة- كلاهما يروي هذا الحديث عن عوف، وهو ابن أبي جميلة المشهور بالأعرابي، وزرارة والعامري قال عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما كان ليلة أسري بي وأصبحت بمكة، فُضعت بأمري، وعرفت أن الناس مكذبوني". وهذا يدل كذلك على مدى الابتلاء والامتحان. قال: "فقعدت معتزلًا حزينًا". قعدت أو قعد -نسخة: قعدت- نعم. قال: "فقعدت معتزلًا حزينًا". قال: "فمر عدو الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له -كالمستهزئ-: هل كان من شيء؟" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم". قال: "ما هو؟" قال: "إنه أسري بي الليلة". قال: "إلى أين؟" قال: "إلى بيت المقدس". قال: "ثم أصبحت بين ظهرانينا". قال: "نعم". يعني: تعجب، وظن أنه كذب، وجرأ عليه الناس يقولون: في هذا الزمن الطويل، وفي ليلة واحدة وصل إلى بيت المقدس ورجع. قال: "فلم يرَ أنه يكذبه مخافة أن يجحده الحديث". فلم يرَ أنه يكذب النبي عليه الصلاة والسلام -أي أبو جهل- حتى لا يجحده الحديث بعد ذلك، فأظهر أنه مصدق. قال: "فلم يرَ أنه يكذبه مخافة أن يجحده الحديث إذا دعاه قومه إليه". قال: "أرأيت إن دعوت قومك، تحدثهم ما حدثتني؟" يريد بذلك السخرية بالنبي عليه الصلاة والسلام، وما علم أن الله أراد بهذا أمرًا عظيمًا. قال: "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم". وهو يعلم عليه الصلاة والسلام أنه أمر عظيم. قال: "فقال: هيا معشر بني كعب بن لؤي -نداء يناديهم-". قال: "حتى قال: فانتفضت إليه المجالس". انتفضت: أي انتقلت من مكانها إلى مكانه، وجاءوا حتى جلسوا إليهما. قال: "حدث قومك بما حدثتني". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أسري بي الليلة". قالوا: "إلى أين؟" قال: "قلت: إلى بيت المقدس". قالوا: "ثم أصبحت بين ظهرانينا؟" قال: "نعم". قال: "فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجبًا للكذب -زعم-". يعني: مستهزئين ساخرين، والنبي صلى الله عليه وسلم صابر محتسب. قالوا: "وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟" قال: "وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فذهبت أنعت، فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت". لأنه ما دخله إلا مرة واحدة، ولم يدقق النظر. قال: "فجيء بالمسجد وأنا أنظر، حتى وضع دون دار عقال أو عقيل، فنعته وأنا أنظر إليه". ويحتمل أنه جيء به نفسه، وليس هذا على الله ببعيد، وهو على كل شيء قدير. فكما أقدر من أقدره أن يأتي بعرش ملكة سبأ إلى سليمان، فما المانع أن يأتي ببيت المقدس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو على كل شيء قدير. ومعنى أنه جيء به: حقيقة. وعلى الرواية الأخرى: أنه صور له ذلك في السماء. وبالجمع بين الروايتين يعلم أن الروايات الأولى التي في الصحيحين تفسر هذه الرواية التي هي خارج الصحيحين. ودار عقال أو عقيل: دار معروفة بالقرب من المسجد الحرام. قال بعض أهل العلم: هي اليوم في القرب مما يسمى بالمكتبة، جهة ما يعبي الناس زمزم -يعني جهة الصفا والمروة-، جهة الصفا والمروة يوجد جبل صغير في تلك الجهة. قال: "فنعته وأنا أنظر إليه". قال: "وكان مع هذا نعت لم أحفظه". قال: "فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب". يعني: لم يخطئ في شيء. قال شيخنا: حديث صحيح على شرط الشيخين. يعني: ولو كان خارج الصحيحين، فهو على شرط الشيخين. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره للأحاديث في هذا الفصل من آيات نبوته ودلائل صدق رسالته عليه الصلاة والسلام. ما أرى الله جل وعلا نبيه بيت المقدس فوصفه لقومه، وهذا كذلك موضع من مواضع دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وقد تقدم معنا في الأحاديث السابقة ما يدل على هذا المعنى، وكونه وقع ذلك، فما لم يستطع المشركون أن يكذبوه، دل أنه حق وصدق، وهو الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام. فمن أنصف -ولو كان كافرًا- علم أن هذا من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وأما من لم ينصف، فأمره كمن قال الله فيه: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾. فهو لا يزال مكذبًا، ولو جيء له بمئة آية أو ألف آية. وفي هذا الحديث كذلك مسائل أكثرها سبق ذكرها في الحديث الذي قبله. وفيه من المسائل كذلك: صدر النبي صلى الله عليه وسلم فيما ابتلي به، فإنه عليه الصلاة والسلام ابتلي بلاء عظيمًا، وهكذا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. ومن ذلك: السخرية والاستهزاء والأذية. وفيه كذلك: تسلية للدعاة إلى الله، ومن يسير في هذا الطريق، أن يتسلى بما قد ابتلي به نبينا عليه الصلاة والسلام. وهو من هو عليه الصلاة والسلام، فمن دونه من باب أولى أن يتسلى بذلك، ويكون له أسوة به عليه الصلاة والسلام. فإن استهزئ بك أو سخر، فقد استهزئ وسخر بمن هو أفضل منك وأرفع قدرًا وأعظم منزلة، فلك فيه أسوة عليه الصلاة والسلام. والله جل وعلا يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. وفيه كذلك: سنة الله في الابتلاء والامتحان. فإن ذلك يوطن الداعي لله والسائر في طريق الحق أن يوطن نفسه على هذا الأمر. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. لابد من فتنة وامتحان وابتلاء، حتى يعظم الله عز وجل الأجر، وحتى يظهر الحق، وحتى كذلك يعرف فضل الحق أهله، فلا يعرف ذلك إلا بشيء من الشدة. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى. وفيه كذلك من المسائل: ما كان عليه المشركون، وهكذا هم في كل زمان ومكان، وأتباعهم من الفاجرين والفاسقين، من الجرأة وكذلك التطاول. فكذلك يتوقع الإنسان من كل فاجر وفاسق وكافر. وفي المقابل: يعلم أن هذا من خلق الكافرين. وللأسف، وللأسف قد يبتل بعض المسلمين بهذه الأخلاق الردية، وهذا يدل على قلة الدين من الناس. من يفرح بسقطة إخوانه، فيستدرج ليستهزئ، ليس ينصح، لكن يستدرج ليستهزئ، مثل ما فعل هذا المشرك الكافر أبو جهل، استدرج النبي صلى الله عليه وسلم لماذا؟ ليستهزئ ويسخر. ولو كان كافرًا منصفًا وناصحًا، ماذا؟ لقال في أول الأمر: أرى أن تكتم هذا الأمر ولا تخرجه، لأن الناس سيسخرون منك. لو كان زعم أنه ناصح، لكن هكذا خلق الكافرين دناءة وكذلك سوء طوية. فلا يجوز لمسلم أن يتخلق مثل هذا الخلق. إذا علمت خطأ من أخيك، فلا تستدرجه لتفضحه، فتتشبه بهؤلاء الكافرين، ولكن كن له ناصحًا من أول الأمر. قل له: لا، أنت أخطأت، هذا غير صحيح، الأفضل أن تقول كذا، ولا تقول كذا. كن ناصحًا لأخيك، تحب له ما تحب لنفسك. أما أن تستدرجه لتفضحه وتسخر منه وتستهزئ به، فهذه دناءة وخلق من أخلاق الكافرين الردية الأخلاق الردية السيئة. وهكذا كل معنى من معاني السخرية والاستهزاء والفرح بذلك، فالفرح بسقطات الناس من خلق الكافرين. ربما بعض الناس يعود نفسه أو حتى يعود أولاده، إذا أخطأ إنسان ضحك عليه، وضحك من في المجلس. لماذا تضحك؟ أليس هذا مسلمًا وهو بشر يصيب ويخطئ، وأنت تصيب وتخطئ؟ فالأولى أن لا تفرح بخطأه، وأن لا تربي نفسك وأبنائك على السخرية بالآخرين والاستهزاء بهم، فهذه دناءة لا ينبغي أن يرضى المسلم بها، ولا أن يرضى بها أن تكون خلق أولاده وأبنائه. لا ترضى أن يكون من أولادك من يضحك إذا وقع الخطأ من الآخرين، أو يفرح، أو يتتبع. فإذا وجدت ذلك، اعلم أن هذا من خلق الكافرين، لا ترضى به لولدك، ولا لابنتك، ولا لزوجتك. وربهم على مكارم الأخلاق، أخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، الذي فيها الصدق، وفيها العزة والعفة والنصح للآخرين والتضحية والبذل وكل خير. أما أخلاق الكفار، فهي فيها هذه الدناءة، وفيها كذلك السخرية والاستهزاء ونحو ذلك. وفيه كذلك من المسائل: ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام من الصدق، ومن سلامة الصدر، وكذلك حسن السريرة. فلم يتمنع من أن يخاطب هذا المشرك ومن معه من الكفار بما كان عليه. وهكذا من كان طريقه الصدق، أنجاه الله. "لو كنت صادقًا فاستغفلك الناس، خير لك من أن تكون ذكيًا فتستغفل الناس". يعني: ليس الذكاء الذي يضيع الدين، كون الإنسان يؤثر أن يكون سليمًا أو سليم الجانب لنفسه ومع الآخرين، أسلم له من أن يكون ذكيًا على حساب دينه. فإذا وجد مثل ذلك الخلق، فافرح به. وإذا لم يوجد، فاحرص على اكتسابه. وتخلَّ عندك يذهب دينك، وتخلَّ كذلك عندك يورثك الوقوع في الشبه، وأن لا تكون صاحب سريرة سليمة وصدق. وكذلك نربي أولادنا على ذلك، أن نربيهم على حسن السريرة وعلى الصدق، على سلامة الصدر وعلى حسن الظن بالناس. ولو كان ذلك يؤدي أحيانًا إلى خطأ، صحيح التوسع في حسن الظن قد يوقع في الخطأ أحيانًا، لكنه أحسن من أن تقع في سوء الظن. سوء الظن أعظم، وذكاء يورث قلة الدين خطره أشد. فكونك تربي نفسك وولدك على حسن السريرة وعلى سلامة الصدر وحسن الظن، ولو كان قد يوقع في تسلط بعض السفهاء عليك، هذا أفضل. أفضل من أن تكون أنت متلاعبًا بدينك. وهذا مثل ودرس نستفيد من سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام وخلقه، كما أننا نحذر من ضده مما كان من خلق الكافرين. إلى هنا والله تعالى أعلم. هذا يقول في نسخة: "فلم يرَ أنه يكذبه". طيب، "فلم يرَ" يعني لم يظهر. وإذا قلنا على الرواية الأخرى: "فلم يرَ" يعني من الرؤية القلبية، بمعنى لم يرد أن يظهر ذلك. وكله إن شاء الله معنى صحيح. لكن كيف علمنا أن هذه النسخة صحيحة؟ وأكثر يعني: التشكيل الآن من المطابع، ليس من تتبع النسخ، فيحتاج أن يراجع هذا "فلم يرَ" أين ننظر؟ إن شاء الله كلام الشراح، هل وردت نسخة مثل هذا؟ وهناك في الحديث الذي قبله راجعت رواية "كذبتني"، فهي رواية الإمام البخاري في نفس الإسناد. بينما عندي أنا: "لما كذبني" في نسخة التي عندي "لما كذبني". وأمس نبه أخ أنه في نسخته "كذبتني" أو "كذبتني قريش لما كذبتني قريش"، وهي نسخة في نفس الموضع بهذا الإسناد المذكور من طريق يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن ابن الشهاب.