الدرس في كتاب الطهارة 37، الدرس السابع والثلاثون:من( 2-باب السواك ... فيحصل عليهم فساد كبير بترك الواجبات الشرعية ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أهمية السواك في الطهارة والنظافة كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويبرز فوائده الصحية في قطع الرائحة الكريهة وتحسين النظافة الشخصية. كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على السواك لدرجة أنه كان سيأمر به مع كل وضوء ومع كل صلاة.
يشرح هذا الفصل أهمية السواك في الإسلام من حيث الفوائد الصحية والدينية، ويبين حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم أمته السواك ورغبتهم فيه دون إلزام، مشيراً إلى عناية الشرع الإسلامي بإدخال أسباب الخير والسعادة على الإنسان.
يتناول هذا الفصل حكم السواك وفضله وأهميته في الصلاة، ويستعرض آراء العلماء حول سبب تأكيد النبي عليه الصلاة والسلام على السواك قبل الصلاة، ويبرز أهمية التيسير في الدين ودرء المفاسد، مشيراً إلى أن السواك سنة مؤكدة.
يتناول هذا الفصل أدلة على أن الأمر الشرعي يدل على الوجوب، مستشهداً بقول الله تعالى لإبليس "ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك"، ويشير إلى وجود أدلة أخرى كثيرة تؤكد هذا المعنى، مما يدل على أهمية امتثال أوامر الله ورسوله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: باب السواك. قال: الحديث السابع عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن نشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء عند كل صلاة»، متفق عليه. هكذا عندكم لفظ العمدة: «مع كل وضوء»، وفي رواية: ها. هكذا أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، هذا الباب في كتاب الطهارة؛ لما له من تعلق في معنى الطهارة، فإن السواك مما يتقدم الطهارة. وأورد فيه حديث أبي هريرة. وأقرب الألفاظ لفظ الإمام مسلم، قال رحمه الله تعالى: حدثنا قتيبة بن سعيد، وعمر بن الناقد، وزهير بن حرب، قالوا: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، فذكر الحديث بلفظه. غير أنه نبه أن قوله: «على أمتي»، هذا لفظ زهير، وقال قتيبة وعمر بن الناقد: «على المؤمنين»، لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بالسواك. الحديث. ورواه البخاري نحوه، أو مثله، غير أنه قال: «مع كل صلاة»، رواه مسلم بحديث ستة وأربعين، والبخاري حديث ثمانمائة وسبعة وثمانين. قال الشارح رحمه الله تعالى: السواك، بكسر السين، اسم للعود الذي يتسوك به، وللفعل الذي هو دلك الأسنان بالعود أو نحوه. يعني: قد يتسوك بعود السواك، وهذا العود المعروف بحرارته وطعمه المميز، أو بغيره من العيدان؛ لأنه قد لا يستطيع الإنسان أن يجد السواك، فليس معناه أن يترك السواك، مثلا أنت في بلاد لا يوجد فيها عود السواك، هل تترك السواك؟ الجواب: لا، ما تترك السواك، تستاك بأي شيء ينفع ولا يضر؛ لأن المقصود ليس هو عين السواك، وإن كان عين السواك أفضل وأكمل؛ أولا لأنه فعله النبي عليه الصلاة والسلام، وثانيا لأنه فيه منافع كثيرة. وقد ذكر عدد من الأطباء قديما وحديثا فوائد كثيرة لاستخدام عود السواك. ومع ذلك إذا لم يتيسر لا يترك الإنسان السواك، فيستاك بأي شيء آخر، أهم شيء أنه ينفع ولا يضر، ويحصل به بعض المقصود إن لم يكن كل المقصود من السواك. ومنه استعمال الفرشاة وما كان بمعناها مما يستعمل في هذا العصر، إذا لم يجد الإنسان السواك فلا أقل من أن يستعمل غيره ولو حصل له بعض المقصود. قال رحمه الله: «أو نحوه»، لتذهب الصفرة والأوساخ، وليطهر الفم، ويحصل الثواب. وهذه بعض المنافع من منافع السواك. قال: مناسبة ذكره هنا أنه من سنن الوضوء، ومن الطهارة المرغب فيها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما سمعنا: «لولا أن يشق على الأمة لأمر به مع كل وضوء ومع كل صلاة». قال رحمه الله تعالى: فهو أحد أبواب كتاب الطهارة المتقدم، وفيه من الفوائد ما يفوت الحصر؛ يعني أشياء كثيرة ما يمكن حصرها لكثرتها. وقد ألف عدد من العلماء فيه مؤلفات في فوائد ومنافع السواك. قال: من النظافة، وهذا معلوم وظاهر ومحسوس. والصحة كذلك، فإن في السواك خصوصا بعود الأراك فوائد صحية كثيرة؛ من تقوية اللثة، وإزالة الفضلات والأملاح، وتقوية الأسنان، وغير ذلك. قال: وقطع الرائحة الكريهة؛ لما في عود الأراك من تلك الرائحة الطيبة النفاثة. وهكذا كذلك، ولو كان غير الأراك، فإن إزالة بقايا الطعام ونحوه مما يبقى في الفم سبب لإزالة سبب الرائحة الكريهة. قال: وتحصيل الثواب؛ يعني بمتابعة السنة واتباع النبي صلى الله عليه وسلم. هذه بعض الفوائد. قال رحمه الله: المعنى الإجمالي من كمال نصح النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته الخير لأمته، ورغبته أن يلجوا كل باب يعود عليهم بالنفع لينالوا كمال السعادة؛ أن حثهم على التسوك. وهذا من مزايا هذا الدين أنه اعتنى بإدخال أسباب الخير والسعادة على هذا الإنسان في جميع شؤون حياته؛ سواء ما كان لأجل الدنيا، وما كان لأجل الآخرة. فما من خير ديني أو دنيوي إلا وحث الإسلام على أكمله وأرفعه وأفضله، وبأسهل طريق وأيسره. وانظر إلى هاتين الميزتين: كونه أنه يصل غيرهم -أي غير المسلمين- إلى بعض أسباب السعادة، فهم قد يصلون إليه لكن ليس إلى أفضله وأكمله وأرفعه. وثانيا ليس بأيسر طريق، بل ربما بعناء ومشقة وكلفة. وهذا من مزايا هذا الدين العظيم. قال: فهو صلى الله عليه وسلم لما علم من كثرة فوائد السواك وأثر منفعته عاجلا وآجلا كاد يلزم أمته به عند كل وضوء أو صلاة. وأنت ترى أن أكثر الناس حرصا عليه أكثر الناس صحة في أسنانهم، وأكثر الناس إهمالا له أكثرهم معاناة في أسنانهم. وهذا من آثار العمل بنصح النبي عليه الصلاة والسلام، أو التخلف عن هذه النصيحة؛ خصوصا النساء والأطفال؛ لما كان الأمر الغالب عليهم إهمال هذا الباب، صار الغالب عليهم الابتلاء في هذا الباب. قال: ولكن كمال شفقته ورحمته خاف أن يفرضه الله عليهم -يعني بأمره إياهم- فلا يقوم به فيأثموا، فامتنع من فرضه عليهم خوفا وإشفاقا. وهذا باب من باب درء المفاسد الكبرى بالصغرى. قال: ومع هذا رغبهم فيه وحثهم عليه. قال: ما يؤخذ من الحديث استحباب السواك وفضله الذي بلغ به درجة الواجبات؛ يعني كاد أن يبلغ مرتبة الواجب لقوله عليه الصلاة والسلام: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك»، فدل على أنه لم يأمرهم خشية أن يشق عليهم، وإلا كاد أن يأمرهم فيكون واجبا. قال ثانيا: تأكيد مشروعية السواك عند الوضوء والصلاة؛ في هذين الموضعين أنفع أنواع السواك. وهدي النبي صلى الله عليه وسلم بالسواك سيأتي أنه كان أكمل الهدي؛ فكان أكثر استعمال النبي عليه الصلاة والسلام السواك عند الوضوء والصلاة، وعند استيقاظ من النوم، حتى كان يضع سواكه قريبا من وسادته عليه الصلاة والسلام. وسنتعرف إن شاء الله في الأحاديث الآتية على شيء من ذلك. قال رحمه الله: قال ابن دقيق العيد: السر أن المأمورون بكل حالة من أحوال التقرب إلى الله عز وجل إنما تكون بحالة كمال النظافة؛ لإظهار شرف العبادة. يعني: السر في ذلك أن الإنسان أمر في أداء العبادة أن يتطهر ويظهر النظافة والطهارة الحسية؛ كما أنه ساعي لطلب الطهارة المعنوية. فلذلك أمر المصلي بالوضوء، فكذلك السواك هو من كمال ذلك. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في أكله: «إني أناجي من لا تناجي»، يعني: الملائكة. فكره أن يأكل الثوم والبصل لأجل ذلك. فكذلك أنت أيها المصلي تلتقي في صلاتك بالله عز وجل، تقف بين يديه، وتحضر هذه الصلاة الملائكة وتشهدها. والملائكة تتعذى مما يتعذى منه بنو آدم. وقد أمرت أنك إذا أتيت الصلاة لا تأكل ثوما ولا بصلا؛ خصوصا في المسجد تعظيما لهذه الصلاة واعتناء بأمرها. فكذلك تطييب الفم بالسواك فيه هذا المعنى. والشرع يجمع المتماثلات بعضها مع بعض. وهذا من اللفتة اللطيفة التي نبه عليها ابن دقيق رحمه الله إلى شيء من حكم الشرع المتواثق المترابطة. قال: وقيل: إن ذلك الأمر يتعلق بالملك؛ فإنه يتأذى بالرائحة الكريهة. قال الصنعاني: ولا يبعد أن يكون السر مجموع الأمرين المذكورين؛ يعني لشرف العبادة يكمل التطهر بالسواك، ولعدم أذية الملائكة كذلك يحث المصلي على السواك. قال: ولا يبعد؛ يقول الصنعاني: ولا يبعد أن يكون السر مجموع الأمرين المذكورين؛ يعني كلا الأمرين مطلوب. لما خرجه مسلم من حديث جابر: «من أكل الثوم أو البصل أو الكرات فلا يقرب مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم». قال ثالثا: فضل الوضوء والصلاة المستعمل معهما السواك؛ يعني أفضل من وضوء وصلاة ليس فيها السواك. فيحرص الإنسان على اغتنام السواك. وأنت باغتنائك السواك إذا احتسبت ذلك على وجه الاتساء والتقرب إلى الله أجرت؛ حتى بحملك للسواك كلما حملت السواك في جيبك فإنك تؤجر بكل لحظة من لحظات وجود هذا السواك أجرا، فضلا عن استخدامك له، فضلا عن شرائك المال وبذلك له، ونحو ذلك. قال الرابع: أنه لم يمنع من فرض السواك إلا مخافة المشقة في القيام به. وهذا يفيدنا شيئا أن الإنسان ينبغي أن يراعي الإشفاق على الناس، ألا يشق عليهم. ولهذا كان الثوري يقول: الفقيه من استطاع أن يسر أو قال: يرفق بالناس. والتشدد أو قال: التشديد كل أحد يحسنه؛ يعني كونك تقول: هذا حرام، وهذا حرام، وهذا لا يجوز، وهذا لا يجوز، هذا قد يحسنه كل أحد، التشديد. لكن التيسير بالدليل وبموافقة الصواب هذا هو الذي ينبغي أن ينتبه له الفقيه؛ لأن هذا الدين بني على اليسر، لكن اليسر المبني على الدليل، ليس اليسر المبني على التلاعب بالأدلة والتحايل عليها. «ما جعل عليكم في الدين من حرج»، «إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا». وروي عن عمر: «لن يغلب عسر يسرين». قال خامسا: كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته وخوفه عليهم. سادسا: أن الشرع يسر لا عسر فيه ولا مشقة، ولكن بالدليل، ليس بالعقل كما ذهب بعض العقلانيين قديما وحديثا. الدين ليس فيه عسر، ثم يحللون المحرمات، حللوا الأغاني، حللوا كذلك الاختلاط، وأشياء كثيرة بحجة: «ما جعل عليكم في الدين من حرج». الحرج بفعل الحرام، وأما ما كان فيه مشقة بالدليل فهذا أمر مطلوب. قال السابع: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وهذه قاعدة عمومية نافعة جدا. فإن الشارع الحكيم -يعني النبي عليه الصلاة والسلام- ترك فرض السواك على الأمة مع ما فيه من المصالح العظيمة؛ خشية أن يفرضه الله عليهم فلا يقوم به فيحصل عليهم فساد كبير بترك الواجبات الشرعية. وهكذا ينبغي لطالب العلم والداعي إلى الله والمفتي والعالم أن يراعي هذا الباب: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وهكذا كذلك من فوائد هذا الحديث: فيه أن الأمر للوجوب. ووجه ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يأمر أمته لأجل أن لا يشق عليهم؛ فدل على أن ما أمر به فهو للوجوب. وهذا هو الأصل، ودلت أدلة الكتاب والسنة على ذلك. وهذا الحديث من تلك الأدلة الكثيرة؛ فيه دليل على أن الأمر للوجوب. قد استدل الكثير من الأصوليين بهذا الحديث على أن الأمر للوجوب. وأدلته كثيرة؛ منها قول الله عز وجل: «ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك»، أي لإبليس؛ فدل على أن الأمر للوجوب؛ لو لم يكن للوجوب لم يكن وجه للإنكار عليه بتخلفه عن امتثال أمر الله عز وجل. وهكذا أدلة أخرى كثيرة. طيب نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.