شرح السياسة الشرعية  20

شرح السياسة الشرعية 20

الدرس في شرح السياسة الشرعية 20، الدرس العشرون:من( وكذلك محاباة الولاة في المعاملة من المبايعة والمؤاجرة والمضاربة ... إذ كل منهما ظالم كلص سرق من لص وكالطائفتين المقتتلتين على عصبية ورئاسة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحذير الولاة من المحاباة والهدايا

يتحدث الشيخ عن تحريم المحاباة والهدايا للولاة والعاملين، ويحذر من ظلم الناس. يجب على الولاة أن يتجنبوا الشبهات ويطهروا أموالهم.

أداء الأمانة في الولاية ومسؤولياتها

يجب على الولاة أداء الحقوق على أكمل وجه وكف الظلم عن الناس. عليهم أن يكونوا واسطة خير بين الرعية والسلطان ويصرفوا السلطان عن المفاسد.

تحريم قبول الهدية مقابل الشفاعة والتعامل مع المظالم

يتناول المقطع تحريم قبول الهدية مقابل الشفاعة ويستدل بحديث رسول الله. كما يوضح أن الرشوة في الحكم كفر ويشرح التعامل مع المظالم.

تحريم الشفاعات في التعامل مع الأمراء

الشفاعات في التعامل مع الأمراء غالبًا ما تكون محرمة بسبب طبيعتها. الله تعالى أعلم بحقيقة الأمور.

  • 21 جمادى الأولى 1432هـ - 24/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: وكذلك محابات الأولى في المعاملة من المبايعة والمآجرة والمضاربة والمساقاة والمزارعة. وهذه مسميات لأشياء معلومة في كتب الفقه، فالمبايعة من البيع، والمآجرة من الإيجارة، والمضاربة نوع من أنواع المشاركات بأن يكون أحدهما بماله وأحدهما بجهده. والمساقاة كذلك نوع من أنواع عقود البيع، قد يكون مساقاة فيها مشاركة في ماء، أو أحدهما بأرضه وأحدهما بماءه، على تفاصيل معروفة في المذهب. والمزارعة كذلك قد يكون بما يكون بينهما بالنسبة أو بالأجرة أو غير ذلك. والمقصود أن هذه الأبواب وما كان بمعناها لا ينبغي أن ينفتح فيها باب يكون فيه معنى الرشوة المحرمة والهدية المحرمة. وهذا هو قوله: «ونحو ذلك»، وهو من نوع الهدية يعني الممنوعة التي تدخل في معنى الغلول. قال: «ولهذا شاطر عمر بن الخطاب رضي الله عنه من عماله من كان له فضل ودين لا يتهم بخيانة». وإنما شاطرهم لما كانوا خصوا به لأجل الولاية من محابات وغيرها. وكان الأمر يقتضي ذلك؛ لأنه كان إمام عدل يقسم بالسوية. وهذا الأثر لم يقف عليه، وهو اشتهر. وإذا صح فهو محمول -كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- أراد عمر رضي الله عنه أن يطهر أموال عماله من الدخن الذي قد يكون قد دخل فيها، مع أنهم -كما ذكر- لهم فضل ودين لا يتهم أحد منهم بخيانة. ومع ذلك حرص عمر رضي الله عنه أن يطهر أموالهم مما قد يشوبها من دخن، فشاطرهم فيها؛ يعني يقول لهم: أخرجوا بعض أموالكم، اجعلوها لبيت المال، وفي أبواب الخير التي تنفق من جهة السلطان، فيرضون في ذلك طاعة لولي الأمر، وكذلك طمعا فيما عند الله سبحانه وتعالى أن يخلف الله لهم بخير وأن يطهر أموالهم. مع أنهم لم يكونوا يأخذوا رشوة ولا شيء، وإنما -كما قال- لما كانوا خصوا به لأجل الولاية من محابات وغيرها؛ يعني إن كان شيء يدخل عليهم فيدخل بغير الصريح. أما الهدية والرشوة فإن شاء الله هم بعيدون عنها، ولهذا قال لهم: «فضل ودين». وأعلق شيخنا رحمه الله بقوله: نقول شاطر من العمال من له فضل ودين ولا يتهم، فكيف بمن لا فضل له ولا دين ويتهم؟ يعني هذا حال غالب العمال اليوم إلا من رحم الله، وبقية الكلام ظاهر في هذا المعنى. ومقصود أن الولي أمر المسلمين ينبغي عليه أن يتابع ويراقب ذلك. وكذلك من ابتلي بشيء من هذه الوظائف كذلك عليه أن يحتاط؛ لأنه قد يدخل عليه شيء مع حرصه وهو لا يدري. مثلا أنت ربما تأتي عن صاحب الخضرة والفاكهة فتقول له: بكم هذا؟ هو يقول للناس بمئة، لكن لأنك القاضي قاضي البلاد، ولأنك المأمور أو المحافظ يقول لك: خذ هذا هدية. فتقول: لو كنت أمينا لا ما أريد هدية، جزاك الله خير، بكم؟ إذا كان يقول للناس بمئة قال لك بخمسين. وأنت ربما تدري أنه بخمسين أو بمئة، تأخذ منه وتمشي، هذا ممكن أو غير ممكن ممكن. وكثير وكثير، وربما تشتري الأرض نفس الشيء، وتدخل في مضاربة مع إنسان نفس الشيء، تتفق أنت وإياه بالنصف، فإذا به يعطيك أكثر من النصف. وتشتري سيارة فإذا به يعطيك بأقل من قيمتها. وهكذا تدخل على هؤلاء أموال لأجل وظيفتهم فيها شيء من الشبهة مع حرصهم. هذا نقول: ماذا؟ مع حرصه، ليس الكلام على أولئك الذين يحتالون لأخذ الشيء من الناس. أما عرفتني أنا فلان ابن فلان كم ستعطيني؟ يقدم بهذا، هذا النوع ليس الكلام عليه، الكلام على من قد يعطى وهو لا يدري. فكان فعل عمر رضي الله عنه إذا صح محمول على هذا. قال رحمه الله: «لما تغير الإمام والرعية كان الواجب على كل إنسان أن يفعل من الواجب ما يقدر عليه، ويترك ما حرم عليه، ولا يحرم عليه ما أباح الله له». ولا يعني كونه لا يحرم عليه ما أباح الله له أن يتجاهل ما قد يكون من تصرفات فيها شيء من المحاباة، بل عليه أن يحتاط ويجتهد. فإذا جئت وكنت موظفا فقال لك هذا بخمسين، صحيح تبيع للناس بخمسين أو لي بخمسين؟ فإن قال: لا، هذا لك. قل: لا، أنا أريد مثل الناس، بيع لي مثل الناس، كما لا تزد علي كذلك لا تنقص لي، أطلب في ذلك العدل. وهكذا لو دخل عليك مال كثير، تصدق أكثر من الصدقة حتى يطهر الله عز وجل ما لك ويبارك لك فيه؛ لأنك لا تدري ربما دخل فيه شيء بغير حق. فالمقصود كما قال: «الواجب على كل إنسان أن يفعل ما يقربه إلى الله من امتثال المأمور وترك المحظور». هذا خلاصة معنى كلامه. قال: «وقد يبتل الناس من الولاة بمن يمتنع من الهدية ونحوها ليتمكن بذلك من استيفاء المظالم منهم، ويترك ما أوجبه الله من قضاء حوائجهم». فيكون من أخذ منهم عوضا على كف ظلم وقضاء حاجة مباحة أحب إليهم من هذا؛ فإن الأول قد باع آخرته بدنيا غيره. وأخسر الناس صفقة من باع آخرته بدنيا غيره. وهذا من دقة نظره رحمه الله وواسع خبرته بأحوال الناس، ذكر مثل هذا التفصيل. يقول: «وقد يبتل الناس من الولاة -يعني والعمال- من يمتنع من الهدية ونحوها ليتمكن بذلك من استيفاء المظالم منهم». وهذا حق، كونه يمتنع من الهدية وما كان بمعناها من الرشوة والأموال المشبوهة والمحرمة ليتمكن من استيفاء المظالم منهم هذا حق؛ لأنه لو قبل فعل المحرم أولا ولم يستطع استيفاء المظالم ثانيا. يعني مثلا إنسان عمله جمع الزكاة وجباية المال من الناس، إذا كان يقبل الهدية من الناس هل يستطيع أن يأخذ منهم الحق والعدل؟ سيضعف، لا يستطيع. فكونه لا يقبل ونحو ذلك ليتمكن من استيفاء المظالم منهم هذا حق. لكن هنا السؤال: لماذا هو لم يفعل هذا؟ هل لله أم لأجل أن يأخذ ويستوفي كل الحقوق عند الناس؟ إنما الأعمال بالنيات، إذا كان لله وأراد بذلك أن يوصل الأمانات في مواضعها فهو مأجور. وإن كان الثاني لأجل أن لا ينقص شيء ويكون له مثلا نسبة وسهم مما يجمع، فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. ثم أعظم من ذلك إذا كان هو يقصر في جانب الحقوق التي عليه يقصر فيما يجب عليه لهم؛ لأن هذا الوالي أو هذا الموظف والعامل تتعلق به مهمتان: مهمة بإعطاء الناس والرعية حقهم، ومهمة أخرى بجمع ما هو للدولة منهم. فإن كان هو حريص في جمع ما هو منهم ومقصر في إعطائهم ما هو لهم، ولو كان بحجة أنه انشغل بالأول عن الثاني لصار بهذا كذلك مضيعا للأمانة، هذا أمر ثاني. وأمر ثالث أشد أن يكون ذلك سببا لفتح الباب لغيره، فيقضي حوائج الناس التي قصر فيها بالرشوة وبالهدية. وهذا هو قوله: «فإن الأول قد باع آخرته بدنيا غيره». يعني هو لم يقبل الرشوة، أدى جزء الحق الذي عليه جمع ما عند الناس ولم يقبل الهدية والرشوة، لكنه فرط فيما عليه، فأدى ذلك إلى أن يدخل غيره فيؤدي للناس ما يريدون ويأخذ منهم الرشوة. فالدنيا دخلت على من دخلت على الثاني، وبسبب من بسبب الأول. ولهذا قال: «فإن الأول قد باع آخرته بدنيا غيره»، من الذي أخذ الدنيا الثاني الذي أدى للناس ما يريدون بالرشوة. فهذا الذي كانت له الدنيا وهو كذلك خسر آخرته، لكن خسر آخرته وأخذ ماذا؟ وأخذ الدنيا الثاني. أما الأول فهو خسر الآخرة ولم يأخذ شيء من الدنيا. ومقصوده رحمه الله تعالى أن الإنسان يحرص إذا ولي ولاية أن يؤدي الحقوق فيها على أكمل وجوهها ومن جميع جوانبها. ومن ذلك أنه إذا استوفى المظالم كذلك عليه أن يؤدي الواجبات ويقضي الحاجات للناس؛ لأن ذلك من مهمته ومن الأمانة التي تعلق بوظيفته وعمله، وهو مسؤول عنها. قال رحمه الله تعالى: «وإنما الواجب كف الظلم عنهم بحسب القدرة، وقضاء حوائجهم التي لا تتم مصلحة الناس إلا بها». من تبليغ ذي السلطان حاجاتهم، وتعريفه بأمورهم، ودلالته على مصالحهم، وصرفه عن مفاسدهم بأنواع الطرق اللطيفة وغير اللطيفة، كما يفعل ذو الأغراض من الكتاب ونحوهم في أغراضهم. ففي حديث ابن أبي هالة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، فإنه من أبلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه على الصراط يوم تزل الأقدام». والحديث بهذا اللفظ وهذا الإسناد ضعيف لا يصح، كما أشار المعلق. ففي إسناده من لا يعرف، وأشار الهيثمي وغيره إلى أنه حديث ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومقصود أن هذا الباب ينبغي أن يحرص عليه كل من ولي ولاية؛ لأنه قد دلت عليه عمومات الشريعة على مثله، فهو من التعاون على البر والتقوى، وهو كذلك من تخفيف الشر ورفع الظلم الذي نهينا عنه، وهو كذلك قبل ذلك من أداء الأمانات. فقوله رحمه الله: «وإنما الواجب كف الظلم عنهم بحسب القدرة»، هذا تبع لما قبله؛ يعني كونه يأخذ منهم عوض على كف الظلم وقضاء الحاجة، فهذا لا يجوز أي أخذ العوض عليه. وكذلك كونه يفعل ذلك بغير عوض فكذلك يفعل ذلك بحسب الاستطاعة؛ لأن الإنسان قد يقول: أنا استطاعة محدودة، لكن إذا كنت سأبدل فوق استطاعتي فسأحتاج إلى مال، من أين لي هذا المال؟ إذن أحتاج أن آخذ من أصحاب المظالم المال حتى أدفع لهم مظلمتهم. فيقول: هذا لا يجوز؛ لأن ذلك يفتح باب أخذ أموال الناس بالباطل. وإنما مكلف الإنسان أن يدفع الظلم بحسب القدرة والاستطاعة. وقوله: «وقضاء حوائجهم التي لا تتم مصلحة الناس إلا بها»؛ يعني هذا مما يطلب من تبليغ للسلطان حاجاتهم، وتعريفهم، ودلالة على مصالحهم، هذا كله مما يطلب من صاحب العمل الذي قد وكل من قبل السلطان، وقد توكل بخدمة الرعية؛ لأنه واسطة بين الرعية والسلطان، فينبغي أن يؤدي الأمانة وأن يكون واسطة خير. وقوله: «وصرفه عن مفاسدهم»؛ كذلك قد يكون عند السلطان شيء من الظلم أو التصرفات التي يكون فيها آثار أو غيرها، فعليه يصرفه عن ذلك بحسب استطاعته؛ لأنه في موضع الأمانة تقتضي منه أن يفعل ذلك، فهو من البطانة، إما أن يكون بطانة خير بطانة خير أو بطانة شر. وبطانة الخير تأمر بالمعروف، وتصرف عنه، وتنهى عن المنكر. وقوله: «بأنواع الطرق اللطيفة وغير اللطيفة»؛ اللطيفة بما يكون من التعريض، وكذلك الإبدال بالغير. فإن أراد أن يعتدي على الأعراض صرفه بالنكاح المباح الحلال، وبملك اليمين الحلال، صرفه بالطرق اللطيفة. أو كذلك أراد أن يعتدي على أموال، صرفه إلى ما يجوز له من الأموال المباحة مما فيه غنى عن الحرام، طرق لطيفة يكون فيها الصرف عن الحرام والعدوان والظلم إلى غيره من الحلال، قولا وفعلا. وغير اللطيفة مما يمكنه ذلك، كان يكون مثلا له سلطان، له سلطة بأن يهدده بزوال الملك أو خروج الناس عليه أو غير ذلك. وهو وإن كان بعضه بعيد، لكن من باب التخويف والزجر. وقوله: «كما يفعل ذو الأغراض من الكتاب ونحوهم في أغراضهم»؛ يعني صاحب الكتابة قد يذكر كلاما يؤدي إلى المقصود بعبارة لطيفة، وقد تكون فيه شيء من العبارات الغليظة أو المبالغات التي لا يقصد منها الكذب، بقدر ما المقصود هو الإيصال، إيصال المقصود من ذلك المكتوب أو المأمور. قال: «وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود في السنن، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شفع لأخيه شفاعة، فأهدى له عليها هدية، فقبلها؛ فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا». وهذا الحديث حديث صحيح، رواه أبو داود، وأحمد، والطبراني، وحسنه شيخنا في «الصحيح المسند». وكذلك العلامة الألباني في مواضع من كتبه. والشاهد منه أنه لا يجوز قبول الهدية لأجل الشفاعة. ومن الشفاعة تبليغ المصالح للسلطان والحوائج، فلا يجوز لكل من له قرب من السلطان أن يأخذ الهدايا لأجل إيصال حوائج الناس، حتى ولو لم يشترط. بعض الناس يقول: أنا ما اشترطت هذا، جئني بغير شرط. حتى ولو جاءك بغير شرط لا يجوز أنت شفعت شفاعة، لا تقبل فيها هدية، بشرط أو بغير شرط. فقبولك للهدية في هذا الباب باب من أبواب الربا. قال شيخنا رحمه الله معلقا: لماذا كان من أبواب الربا؟ قال: لأن الربا في اللغة أعم منه في الشرع، إذ أن الربا هو الزيادة. وهذا الذي أهدي إليه فقبل من أجل الشفاعة أتى بابا عظيما من أبواب الربا؛ حيث ازداد ما له بما أعطي من مقابل هذه الشفاعة. ولهذا كذلك: الاستطالة في عرض المسلم كذلك ماذا؟ من الربا؛ لأنها اعتداء بغير حق، واستزادة بظلم. وكل ما كان من زيادة بغير حق فهو من الربا، فهو من الربا. فلا يجوز أن يأخذ مال بغير حق، هذا من المال الذي أخذ بغير حق. قال: «وروى إبراهيم الحربي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: السحت أن يطلب الحاجة للرجل فيقضى له، فيهدى إليه فيقبلها». وهذا الأثر -كما ذكر- رواه إبراهيم الحربي. وكذلك ذكره ابن جرير، وابن منصور، بأسانيد حسنة، فهو بمعنى الذي قبله. والسحت هو كل مال باطل أخذ بغير حق. قال: «وروى أيضا عن مسروق أنه كلم ابن زياد في مظلمة، وابن زياد كان أميرا، فردها، فأهدى له صاحبها وصيفا -يعني جارية جميلة- مقابل أن المظلمة رجعت له، أهداها ل مسروق. قال: فردها عليه، وقال: سمعت ابن مسعود يقول: من رد عن مسلم مظلمة، فأهدي له عليها قليلا أو كثيرا، فهو السحت». قال: «فقلت يا أبا عبد الرحمن: ما كنا نرى السحت إلا الرشوة في الحكم، قال: ذاك كفر». يعني القاء المسروق لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فأفاد هذا الأثر -وهو أثر صحيح موقوف على عبد الله بن مسعود، وقد صححه غير واحد من الأئمة- قد أفاد ذلك أن الهدية على الشفاعة، ورد المظلمة من أكل أموال الناس بالباطل، ومن السحت المحرم. وأن الرشوة على الحكم أشد من ذلك، ولهذا قال: «ذاك كفر». ومعناه كفر دون كفر، وقد يصل إلى الكفر الأكبر بحسب التفصيل الذي ذكر أهل العلم. قال: «فأما إذا كان ولي الأمر يستخرج من العمال ما يريد أن يختص به هو وذووه؛ فلا ينبغي عانة واحد منهما؛ إذ كل منهما ظالم، كالص الذي سرق من لص، وكالطائفتين المقتتلتين على عصبية ورئاسة». يقول: هذا مثال آخر من المظالم التي يبتل بها الناس في مجتمعاتهم من بعض الولاة. قال: «فأما إذا كان ولي الأمر يستخرج من العمال ما يريد أن يختص به هو وذووه -يعني هؤلاء معتدون، وهؤلاء معتدون- وكل منهم يعتدي على الآخر، قال: فلا ينبغي عانة واحد منهما؛ لماذا؟ علل، فقال: إذ كل منهما ظالم». المال بغير حق، وكل منهما يريد أخذه من الآخر أو الاستحواذ به بغير حق. فإذا كان كذلك التعاون على هذا من التعاون على الإثم والعدوان. ومعناه في هذا نصيحة لبقية العمال في الدولة، وفي الإمارة الإسلامية ألا يعين أحد منهم على مثل ذلك؛ لأن الإعانة على ذلك ليس من رد المظالم، بل هو من أخذ المظالم. وهو كما قال: «كالص الذي سرق من لص»، كلهم سرق، كل واحد يسرق من الآخر. فأنت تعين على ماذا؟ تعين سارق يأخذ من سارق. لا تتركهم، أمرهم إلى الله، اجعلهم يتقاتلون أو يتآكلون عليها كالكلاب على الميتة. فأنت تجتنب مثل هذا؛ لأنه ليس من التعاون على البر والتقوى، بل هو من التعاون على الإثم والعدوان. وقوله: «كالطائفتين المقتتلتين على عصبية ورئاسة»؛ كذلك القتال معهم قتال فتنة لا يجوز، وهو من التعاون على الإثم والعدوان. بخلاف طائفة باغية وأخرى ما بغي عليها، فتقاتل الباغية -كما أمر الله- فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله؛ لأن الظالم إذا لم يحجز عن ظلمه اعتدى على الناس وبغى عليهم وتسلط. لكن الواجب حجز الظالم عن ظلمه. وأما والحال كهذا: عصبية ورئاسة، ومنازعة على كرسي، فمثل هذا من قتال الفتنة الذي يجتنب. إلى هنا والله تعالى أعلم. يقول: كيف نجمع بين عدم جواز أخذ الهدية من أجل الشفاعة، وبين حديث: «من قدم إليكم معروفا فكافئوه»؟ يكافئ بغير الهدية على الشفاعة؛ لأن الهدية على الشفاعة مستثنى حتى لا يحصل بذلك معنى أخذ الأموال للناس بالباطل. والغالب أن الشفاعات تكون في هذا الباب من التعامل مع الأمراء ونحوهم، فلذلك لا يجوز هذا. والله تعالى أعلم.