الدرس في شرح مختصر السيرة 82، الدرس الثاني والثمانون:من( فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش كتاباً ... فقال قاتلهم الله والله إن استقسما بها قط وأمر بالصور فمحيت ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي هذا الفصل قصة خيانة حاطب بن أبي بلتعة وكتابة رسالة لقريش يخبرهم فيها بمسير النبي، وتفاصيل موقف النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الخيانة. يظهر المقطع حلم النبي وتعامله مع الخيانة دون اعتبارها كفرا أكبر.
يتناول هذا الفصل إسلام أبي سفيان قبل فتح مكة، حيث أخذه العباس إلى النبي وأمنه، ثم أمر النبي بأن يريه جيش المسلمين ليخبر قريشا بعظمتهم. أسند للناس أماكن آمنة، فدخل أبو سفيان مكة ونادى بالأمان لمن دخل داره أو المسجد الحرام.
يصف هذا الفصل دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة من أعلاها وأمر خالد بن الوليد بدخولها من أسفلها، وإعلان الأمان. ثم طاف النبي بالبيت وكسر الأصنام وأمر بازالة الصور من على جدران الكعبة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: «فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش كتابا يخبرهم فيه بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفعه إلى سارة مولاة لبني عبد المطلب، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها. وأتى الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من السماء -يعني أوحي إليه- فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا والزبير إلى المرأة، فأدركاها بروضة خاخ، فأنكرت. بل أخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يذهبوا إلى هذه الروضة، ومعناها الحديقة والبستان، وأنهم سيجدون فيها امرأة معها كتاب، فليأخذوه منها. والحديث أصله في الصحيحين من حديث علي رضي الله عنه، وبعض التفاصيل مما ذكره ابن القيم رحمه الله في «الزاد في زاد المعاد»، وهو خارج الصحيح. فأصل القصة في الصحيحين». قال: «فأنكرت، ففتشا رحلها فلم يجدا فيه شيئا، فهدداها فأخرجته من قرون رأسها، حتى قال علي رضي الله عنه: لتخرجن الكتاب أو لننزعن الثياب. وفيه دليل على جواز التهديد في مثل هذا المقام، وما كان شبهه. قال: فأخرجته من قرون رأسها. قال: فأتيا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا حاطبا، فقال: ما هذا يا حاطب؟ وبه يعلم ويطلع على حلم النبي عليه الصلاة والسلام، وصبره، وحسن تدبيره عليه الصلاة والسلام، ومعاملته للآخرين». قال: «فقال: ما هذا يا حاطب؟ فقال: لا تعجل علي يا رسول الله، والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما ارتدت ولا بدلت، ولكني كنت امرأ ملصقا في قريش -يعني ضعيفا لست من أنفسهم- ولي فيها أهل وعشيرة وولد، وليس فيهم قرابة يحمونهم، وكان من معك لهم قرابات يحمونهم، فأحببت أن أتخذ عندهم يدا، قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له أمره -يعني أن النصر سيكون- ولكن اجتهد رضي الله عنه فأخطأ، وظن أن هذا يدخل عليه وعلى أهله وولده خيرا لا يكون به مضرة على المسلمين». قال: «فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله وقد نافق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه شهد بدرا، وما يدريك يا عمر، لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. وفيه دليل أن مثل هذا الفعل خيانة وأنه نفاق، ولكنه لا يصل إلى الكفر ولا إلى النفاق الأكبر، لأن لو كان ذلك كفرا أكبر فإن الكفر يهدم ما قبله، والردة تهدم ما قبله. لكن بين النبي عليه الصلاة والسلام بقوله لعمر: «إنك لا تدري لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»: أنه ليس بكفر، بل هو من الكبائر ومن الذنوب العظام، لكن تكفرها صالح الأعمال، أو قد تكفرها صالح الأعمال». فاستدلال من استدل من بعض من فيه لوفة تكفيرية بهذا الحديث على أن موالاة المشركين كفر على إطلاقه خطأ، وليس بصحيح. وليس يلزم من إقرار النبي عليه الصلاة والسلام لعمر أن يكون ذلك نفاقا أكبر، بل ينفي هذا المعنى كونه قال: «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، لأنه لو كان ردة فالردة تحبط الأعمال كلها، ومنها الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله وغيره من الأعمال يحبط إذا وقعت الردة. فلما بين أن هذا الجهاد الذي كان يوم بدر لعله يكفر الله به هذا الدم، علم أن هذا الدم دون الكفر. قال: «فذرفت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم. ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعم الله الأخبار عن قريش». وينبغي أن يستفيد المسلم وطالب العلم والداعي لله على وجه الخصوص من مثل هذه المواقف، وهي ربما بحكايتها والوقوف عليها، ليس هي كحقيقة أمرها إذا وقعت عيانا. ليس هي كحقيقة أمرها إذا وقعت عيانا. وهذا يستدعي أن المسلم يعتبر من مثل هذه المواقف ويأخذ منها دروسا عظيمة. قال: «ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعم الله الأخبار عن قريش، لكنهم على وجل -يعني على خوف- لأنهم علموا أنهم خرموا الصلح، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا أن يقبل منهم شيئا في ذلك، حين أرسلوا أبا سفيان. قال: فكان أبو سفيان يتجسس هو وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء -قبل أن يسلم بديل بن ورقاء- قال: وكان العباس قد خرج قبل ذلك بأهله وعياله مسلما مهاجرا -يعني عم النبي عليه الصلاة والسلام- فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجحفة، والجحفة هي الموضع التي تعرف النبي عليه الصلاة والسلام أن تنقى الحمى المدينة إليها، وهي موضع إحرام أهل الشام إذا مروا بما يحاذيها بالقرب من المدينة». قال: «فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الضهران، نزل عشاء، فأمر الجيش فأوقدوا النيران -يعني نزل في وقت العشاء- فأوقد أكثر من عشرة آلاف نار -يعني أن الجيش كان كبيرا- فاجتمع الناس خيام خيام، أو فرق في عشرة آلاف نار. قال: فركب العباس بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج يلتمس، لعله يجد بعض الحطابة أو أحدا يخبر قريشا ليخرجوا يستأمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخلها عنوة. أراد الخير لأهل بلده، وهو حديث عهد بإسلام، رضي الله عنه أرضاه. وليس هذا بصواب، ولكن لأنه حديث عهد بإسلام، رضي الله عنه أرضاه. وكذلك اجتهد، رضي الله عنه أرضاه». قال: «فوالله إني لأسير عليها، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل يتراجعان -يعني يرد كل منهما على الآخر- وأصل هذه القصة في عدد من كتب السنة، وقد ذكر طرقها وأصل هذه القصة العلامة الشيخ الألباني رحمه الله في «الصحيحة» حديث ثلاثة آلاف وثلاثمائة واحد وأربعين. قال: وسمعت كلام أبي سفيان وبديل يتراجعان، يقول أبو سفيان: ما رأيتك الليلة نيرانا قط ولا عسكرا. قال: يقول بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب -يفتخر بأهله- بديل بن ورقاء الخزاعي، رضي الله عنه، وكان في ذلك الوقت لم يسلم. قال: يقول أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها. وهذا حال أهل الجاهلية قبل أن يسلموا، فأبو سفيان يتنقص خزاعة لأنهم كانوا أعداء لها أو لحلفائها من بني بكر». قال: «فقلت: أبا حنظلة. فعرف صوتي، فقال: أبا الفضل. قلت: نعم. قال: ما لك؟ فداك أبي وأمي. قال: قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، وصباحا قريش والله -يعني سيصبح على قريش يوم سيء- قال: فما الحيلة؟ قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي به إليه -يعني يأخذه إليه إلى النبي عليه الصلاة والسلام- فاستأمنه لك -يعني أدخلك في أماني- قال: فركب خلفي، ورجع صاحباه. فجئت به، وكلما مررت بنار من نيران المسلمين، قالوا: من هذا؟ فإذا رأوه، قالوا: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته -يعني بغلة النبي عليه الصلاة والسلام- حتى مررت بنار عمر، فقال: من هذا؟ وقام إلي. فلما رأى أبا سفيان، قال: عدو الله، الحمد لله الذي أمكن الله منك بغير عقد ولا عهد -يعني انتهى الصلح بغدركم وخرجنا مقاتلين- ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركضت البغلة فسبقته -يعني أن عمر أراد أن يسبق إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويخبره بوجود أبي سفيان ليقضي فيه ما يشاء- قال: واقتحمت عنها، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليه عمر». قال: «فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني أضرب عنقه. فقلت: يا رسول الله، إني قد أجرته -القائل العباس عم النبي عليه الصلاة والسلام- فلما أكثر عمر، قال: مهلا يا عمر. فوالله لو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا -يقول العباس لعمر بن الخطاب، رضي الله عنهما- يعني لو كان من أحد قرابتك لم تقل هذا ولم تتجاسر على هذا. نزغ الشيطان بينهما، رضي الله تعالى عنهما جميعا وعن جميع الصحابة». قال: «مهلا يا عباس، فوالله -القائل عمر- فوالله لإسلامك كان أحب إلي من إسلام الخطاب، لو أسلم. وما بي إلا أني عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب -يعني معناه: ظنك أحسن من هذا، فاترك الدفاع عن مثل هذا- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به. قال: ففعلت، ثم غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يئن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ قال: بأبي وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد. قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يئن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه ففي النفس حتى الآن منها شيء. فقال له العباس: ويحك، أسلم قبل أن يضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق فأسلم». قال: «فقال العباس: إن أبا سفيان رجل يحب الفخر. قال: فاجعل له شيئا. قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. والحديث أصله في صحيح البخاري وغيره، وجاء معنى عن عدد من الصحابة -أي هذا اللفظ وما بعده- قال: ومن دخل المسجد فهو آمن. فلما ذهب لينصرف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عباس، احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها. والمعنى: أن ذلك سيجعل أبا سفيان ينقل خبرا عظيما لأهل مكة حين يدخل عليهم ويخبرهم بما رأى من عظم الجيش». قال: «فخرجت حتى حبسته، ومرت القبائل على راياتها -يعني كل قبيلة معها راية، والراية هي العلم الذي يحمل في طرف الرمح أو غيره ليدل على موضع الأمير وأتباع هذا الأمير- فكانت القبائل تمر براياتها، كل أمير تحته أو خلفه رعيته وعليه الراية. قال: حتى مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء -يعني كانت الكتيبة لها علامات خضراء- قال: لكثرة الحديد وظهوره فيها، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق -والحدق هم مهرة الرماة- يعني لهم وصف معلوم عند العرب بزيهم وبما يحملون من سلاح- قال: فقال: سبحان الله يا عباس، من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء طاقة». وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان، قال: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشا». فذكره أبو سفيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني لما سمع هذه الكلمة من سعد بن عبادة، وأبو سفيان في هذا الوقت أسلم- فقال: «كذب سعد، ولكن هذا اليوم يوم تعظم فيه الكعبة، اليوم أعز الله قريشا». وهذا من حسن السياسة الشرعية، وهكذا كذلك فيه تعظيم البيت الحرام حتى في وقت القتال. ثم نزع اللواء من سعد في رواية البخاري، فيها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كذب سعد»، وأنكر عليه مقولته، ولم يذكر أنه نزع منه اللواء، ودفعه إلى قيس ابنه، فيحتاج إلى تثبت في صحة هذه اللفظة. قال: «ثم نزع اللواء من سعد ودفعه إلى قيس ابنه، ومضى أبو سفيان. فلما جاء قريشا، صرخ بأعلى صوته -يعني لما وصل تركه النبي عليه الصلاة والسلام يسبق الجيش يصل إلى مكة حتى يذهب الناس فيستأمنون في بيوتهم وفي المسجد الحرام، فلا يبقى إلا من يريد شرا على نفسه -أي القتال- قال: ثم فلما جاء قريشا -يعني أبو سفيان- صرخ بأعلى صوته: هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. وفي قول النبي عليه الصلاة والسلام -كما قال العلماء-: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فائدتان: الفائدة الأولى ما أرادها العباس من أن يعطي الفخر لأبي سفيان، وتتضمن هذه الفائدة حكمة أخرى، وهي أن يعلم قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يذلهم، فقد أبقى لهم مهابة كبيرهم. والحكمة الثانية: أنه حين يقول ذلك أبو سفيان بنفسه للناس، هذا يستدعي إدخال الخضوع والانقياد عند الناس، إذا كان كبيرهم هو الذي يقول لهم هذا ويخبرهم أن داره تؤوي من لا يقاتل، فمن الذي بعد ذلك يجرؤ على القتال؟ فكان هذا من حكمته عليه الصلاة والسلام حتى لا يظن أن إقرار النبي عليه الصلاة والسلام لكلمة أبي العباس هي مطلق موافقة لرغبة دنيوية محضة، لا، بل أراد النبي عليه الصلاة والسلام -كما ذكر العلماء- ما هو أعظم من ذلك». فقول أبي سفيان بأعلى صوته: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، تنبيه للجميع أنه لا قتال، وأن أبا سفيان أول من سيترك القتال. قال: «قال: فلما مر بأبي سفيان، قال: اليوم يوم الملحمة. قال: فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله، وما تغني عنه دارك؟ -سبحان الله- يعني الآن هم ينتظرون قتالا وشجاعة، فإذا أبو سفيان يقول لهم: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن -يعني كأنه خذلهم وطعنهم طعنة- فقالوا: قاتلك الله، وما تغني عنه دارك؟ قال: بعد ذلك، قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. قال: فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد -يعني لم يبق أحد يقاتل- قال: وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل مكة من أعلاها -يعني من جهة ما يسمى اليوم بالحجون- فهذا هو جهة أعلى مكة». قال: «فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة من أعلاها، وأمر خالد بن الوليد فدخلها من أسفلها، وأسفل مكة من جهة من جهة عرفات وكدى التي فيها اليوم مواقف السيارات. قال: وقال: إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصدا حتى توافوني على الصفا -يعني لا تبقوا منهم أحدا، لأنهم قد قامت عليهم الحجة وأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمان، فلا يعترض بعد ذلك إلا محروم يستحق القتل- قال: فما عرض لهم أحد إلا أناموه -يعني قتلوه- قال: وتجمع صفوة قريش مع عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو بالخندمة ليقاتلوا، وكان حماس بن قيس يعد سلاحا قبل مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت لهم: رأيته والله ما يقوم لمحمد وأصحابه شيء. فقال: والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم. ثم قال: إن يقبلوا اليوم فما لي علّه -هذا سلاح كامل- وأن لا يكون لهم شيء». قال: «وذو غرارين سريع السلة -يعني يريد نوعا من السلاح يضرب به سريعا فيكون له الأثر- قال: ثم شهد الخندمة. فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد، والخندمة اليوم هي جهة من جهات مكة الجنوبية تقرب مما يسمى اليوم بشارع المنصور. قال: فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد، ناوشوهم شيئا من قتال، فأصيب من المشركين اثنا عشر، ثم انهزموا. فدخل حماس على امرأته، فقال: أغلقي علي بابي. فقالت: وأين ما كنت تقول؟ -يعني ذاك الشعر- قال: فقال: إنك لو شهدت لا إله إلا الله. قال: إنك لو شهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة وأبو يزيد قائم كالمؤتمة، واستقبلتنا بالسيوف المسلمة يقطعن كل ساعد وجمجمة ضربا، فلا يسمع إلا غمغمة لهم وهمهمة، لم تنطقي باللوم -يعني ما كان يحتاج إلى لوم منك لو رأيت الذي رأينا من شجاعة المسلمين وشدة قتالهم- وما عليه أصحابي إذ خذلوني». قال: «وقال أبو هريرة: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالدا على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة بن الجراح على الحسر، فأخذوا بطن الوادي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كثيبته -يعني مع المهاجرين والأنصار- قال: وقد وبشت قريش -أو باشها- ومعنى وبشت: يعني جمعت جموعا من قبائل شتى. وقالوا: نقدم هؤلاء، فإذا كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيب أعطيناها الذي سألنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة، فقلت: لبيك يا رسول الله. قال: اهتف لي بالأنصار، ولا يأتيني إلا أنصاري. قال: فهتفت بهم -يعني ناداهم- فجاءوا، فأطافوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟ والأوباش هم من يستعينون بهم قريش من أفراد وقبائل العرب حول مكة». قال: «ثم قال بيده إحداهما على الأخرى: احصدوهم حصدا حتى توافوني على الصفا. والصفا الجبل المعروف الذي يسعى منه إلى المروة. قال أبو هريرة: فانطلقنا، فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم ما شاء إلا قتل -يعني حصدوهم حصدا فلم يبق منهم أحد- قال: وركزت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مسجد الفتح، ثم نهض والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت، وفي يده قوس، وحول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بالقوس ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد. والأصنام تتساقط على وجوهها -يعني أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يسقط الأصنام وهو يردد هذه الآيات عليه الصلاة والسلام- فنصر الله عز وجل الحق وأهله، وأذل الشرك وأهله في ذلك اليوم العظيم». قال: «وكان طوافه على راحلته، ولم يكن محرما يومئذ، فاقتصر على الطواف. فلما أكمله، دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها ففتحت، فدخلها، فرأى فيها الصور، فرأى صورة إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام -يعني صورا وهما يستقسمان بالأزلام على طريقة أهل الجاهلية- يعني يضربون، فإذا خرج الخيار أخرج، وإذا خرج الخيار تزوج، وإذا خرج الخيار لا تخرج -على طريقة أهل الجاهلية- قال: فقال: قاتلهم الله، والله إن استقسما بها قط -وإن هنا نافية بمعنى ما استقسما بها قط- يعني لم يستقسم إبراهيم عليه السلام وإسماعيل أبدا بهذه الأزلام. قال: وأمر بالصور فمحيت -يعني من على جدران الكعبة من الداخل- ثم أغلق عليه الباب هو وأسامى وبلال، فاستقبل الجدار الذي يقابل الباب. نقف لهنا ونترك الباقي إلى درس لاحق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.