الدرس في تلخيص صفة صلاة النبي 2، الدرس الثاني:(وأما الحديث الذي يذكره بعض المقلدين معزوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ... فأخبره بجهتها فعليه أن يبادر إلى استقبالها وصلاته صحيحة). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث الشيخ عن أهمية اتباع السنة النبوية وعدم التقليد الأعمى للمذاهب. يحذر من كذب الأحاديث على النبي صلى الله عليه وسلم ويشير إلى قوة أهل الحديث في اتباع الدليل.
يشرح الشيخ أهمية استقبال القبلة في الصلاة ويبين أنها ركن من أركانها مع استثناءات في حالات الخوف والقتال والعجز. يشير إلى الأدلة من القرآن والسنة النبوية.
يتناول المقطع أحكام الصلاة لغير القبلة بسبب الغيم أو الاضطرار، ويشير إلى جواز الصلاة في هذه الحالات دون إعادة. يوضح الشروط التي تجيز الصلاة على الراحلة أو في الحافلة أثناء السفر أو في حالة العجز.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. تتمة لما سبق من القراءة في مقدمة العلامة الشيخ المحدث الفقيه محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله على رسالته «تلخيص صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم». ولما كانت المقدمة محتوية على بعض المسائل والمباحث العلمية نبه عليها بما يتيسر، ونواصل إن شاء الله في ذلك، ثم نشرع إن شاء الله في الدخول في مسائل الرسالة. وهذا التلخيص قال رحمه الله تعالى: «وأما الحديث الذي يذكره بعض المقلدين معزوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: من ترك سنتي لم تنله شفاعتي، فلا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم». وإذا قيل: لا أصل له، يعني مما اشتهر على الألسن وليس له إسناد، ليس له إسناد، ليس له وجود مسند في كتب الحديث، لا صحيح ولا ضعيف، لا صحيح ولا ضعيف، فهو أشد من أن يقال: ضعيف، أشد من أن يقال: ضعيف، فهو مما اشتهر على الألسن ولا أصل له، حتى السند الضعيف ليس موجودا، فهو كذب. قال رحمه الله: «طيب، قد يقول قائل: هذا المعنى صحيح. باطل؛ لأن بعض العوام هكذا يجادل: من ترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم هل تناله الشفاعة؟ نقول: قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة أنه ناس يطردون عن الحوض بسبب تغييرهم وتبديلهم وتركهم لمتابعة سنته عليه الصلاة والسلام، لكن في هذا الصحيح غني عن هذا الذي لا أصل له، غني عن هذا الذي أصل له، ولا يجوز أن نحدث بشيء عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله». ولهذا أتبع الشيخ بقوله رحمه الله: «وما كان كذلك فلا يجوز نسبته إليه صلى الله عليه وسلم خشية التقول عليه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، وهو حديث صحيح روي معناه عن عدد من الصحابة، منهم علي رضي الله عنه في الصحيح وغيره». وتأمل قوله: «من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، لم يقل متعمدا، فإنه لو قال على وجه التساهل لاستحق بذلك والعياذ بالله مقعدا في النار». ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيح مسلم: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب -يعني يظن وليس هو جازم- فكيف بالجازم؟ كيف بمن علم أن هذا كذب؟ هذا أشد من حدث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين». وما وعيد الكاذبين؟ هذا الحديث من وعيد الكاذبين: «من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار»، وفي الحديث الآخر: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار»، وفي رواية: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». هل نحمل المطلق على المقيد؟ الجواب: لا، بل معنى أن العذاب يزداد كلما ازداد الإثم والفعل. فمن حدث بحديث وهو يعلم أنه كذب، هذا وعيده شديد، وأشد منه من يكذب، «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار»، وأخف من هذا والذي قبله، وكله يوجب العذاب: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب»، فهو يشارك في هذا الإثم. قال رحمه الله: «وإن من نافلة القول أن أذكر أنني لم ألتزم فيه -تبعا لأصله- مذهبا معينا من المذاهب الأربع المتبعة، وإنما سلكت فيه مسلك أهل الحديث الذين يلتزمون الأخذ بكل ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من الحديث». ولذلك كان مذهبهم أقوى من مذاهب غيرهم، وهكذا كان إمتنا وعلماؤنا ومن سبق من سلفنا الصالح، ما كانت لهم مذاهب، بل كلهم يتبعون سنة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أئمة المذاهب الأربعة. هل كان للشافعي مذهب؟ لا، بل يتبة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو القائل: «إذا خالف قولي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فارموا بقولي عرض الحائط». وهكذا أئمة الأربعة. وقد ذكر رحمه الله في مقدمة الأصل نبذة وجمل ونقولات عن أئمة في ذم التقليد ووجوب اتباع السنة لمن صحت له، وبه نعرف خطأ التزام الناس بهذه المذاهب بعجرها وبجرها، وأنه مما لا يجوز في دين الله، وبه نعرف كذلك خطأ من قال: لا يصلح تعلم الفقه إلا أن تدرسه على مذهب من المذاهب المتبعة. فيقال: سبحان الله، أتستبدلون الذي هو أدنى عن الذي هو خير؟ عندك الحديث ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:50]، وما فيه من فقه يغنيك عن أن تلتزم الفقه على مذهب من المذاهب، فأنت تدخل نفسك في الضيق، ثم تبحث عن المخرج. لماذا لا تأخذ بالحق؟ فإن قال: أنا لا أستطيع ذلك، فيقال: الحمد لله، اليوم تيسرت كتب من كتب أهل العلم، ما هي متجردة وبعيدة عن معنى التقليد الذي يضر. وهناك تفاصيل في هذه المسائل -مسائل التقليد والتمذهب- نبه عليها العلماء، بعضها خلافها معنوي، وبعضها خلافها لفظي، والمقصود: المسلم ينبغي عليه أن يحرص على اتباع السنة إن تيسر له ذلك، فإن لم يتيسر فبكتب أهل العلم التي تقربه إلى السنة والحديث، وهناك كتب كثيرة بفضل الله عز وجل تعين على ذلك، حتى ولو كانت مثلا تنتسب إلى مذهب من المذاهب، لكنها متجردة، مثل كتب الشيخين: شيخ الإسلام وتلميذ ابن القيم، ولو كانت تعد عند بعض الناس من كتب الحنابلة، لكن كتب متجردة تحرص على اتباع الدليل، وهكذا غيرهم في المذاهب الأخرى. قال رحمه الله تعالى: «ولذلك كان مذهبهم أقوى من مذهب غيرهم؛ لأنه يعتمد على الحجة والدليل، كما شهد بذلك المنصفون من كل مذهب». منهم العلامة أبو الحسنات اللكنوي الحنفي القائل: «وكيف لا وهم ورثة النبي صلى الله عليه وسلم حقا، ونواب شرعه صدقا، حشرنا الله في زمرتهم، وأماتنا على حبهم وسيرتهم» -يعني أهل الحديث-. ومن تأمل كتب أهل الحديث وفقهها، وفقه كتب الحديث في تبويب تلك الكتب، فإن أبواب تلك الكتب فيها الفقه، وفي ثنايا تلك الأحاديث وتعليق الأئمة عليها الفقه، به تعلم أن أهل الحديث جمعوا بين الرواية والدراية، جمعوا بين الرواية والدراية. وبه نعرف ظلم بعض من ينسب لأهل الحديث عدم الفقه، قد يوجد في بعض أهل الحديث من ليس عنده فقه، كما قد يوجد -وهذا كثير- في بعض من عنده فقه جهل بالحديث، فجهل أهل الفقه بالحديث -الذين انشغلوا بالفقه مجردا عن الحديث- أكثر من جهل أهل الحديث بالفقه، وهذا هو الواقع. فإذا عملت مقارنة بين الكتب المعتنية بالحديث وفقهها، وبين الكتب المعتنية بالفقه مع عدم ذكر الحديث وأدلتها، فسترى أن الكتب المعتنية بالحديث فيها من الفقه مع تلك الأحاديث ما يفوق ما في كتب الفقه من الحديث، فيدلك على ظلم تلك المقولة التي تنسب لأهل الحديث عدم الفقه وقلته. فإذا لم يكن أهل الحديث أعرف بالفقه، فأي شيء يدل إلى الفقه؟ حقيقة الفقه عند المنصفين هو الجمع بين الرواية والدراية، الجمع بين المسائل والدلائل، الجمع بين المسائل والدلائل. ومتى ما كان الفقيه متمكنا جمع من أنواع الدلائل ما يصل إلى الفقه الصحيح. وتأمل على سبيل المثال «صحيح الإمام البخاري» رحمه الله رحمة واسعة، يتجلى فيه فقه أهل الحديث على أحسن أوجهه. قال رحمه الله: «ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل إذ قال: دين النبي محمد أخبار، نعم المطية للفتى آثار، لا ترغبن عن الحديث وأهله، عندي وآله والبيت مشهور وأهله، فالرأي ليل والحديث عندي نار صواب نهار، ولربما جهل الفتيا ثرى الهدى والشمس بازغة لها أنوار». وهذا البيت ينسب كذلك لغير الإمام أحمد رحمه الله. قال: «دمشق السادس والعشرين من صفر سنة اثنين وتسعين وثلاثمائة وألف، محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله رحمة واسعة». كتبه في هذا التاريخ، يدلك على سابقته وفضله رحمه الله رحمة واسعة. قال رحمه الله تعالى: «استقبال الكعبة». ابتدأ رحمه الله أول مسائل هذا التلخيص -كالأصل- باستقبال الكعبة؛ إذ هو أول ما يحتاجه المصلي بعد الطهارة، ولم يدفع الطهارة؛ لأن الطهارة من الشروط الخارجة عن الصلاة، ولها حكم خاص. وقد ألف لها بعض أهل العلم مؤلفا خاصا يتعلق «بصفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وطهارته». قال رحمه الله: «إذا قمت أيها المسلم إلى الصلاة فاستقبل القبلة حيث كنت، في الفرض والنفل، وهو ركن من أركان الصلاة التي لا تصح الصلاة إلا بها؛ لأن الله عز وجل أمر بذلك في كتابه». قال سبحانه: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:144]، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. ومن ذلك ما جاء في نزول آيات الأمر باستقبال الكعبة ونسخ ما كانوا عليه من استقبال بيت المقدس، حديث ابن عمر وغيره في الصحيحين. حديث ابن عمر: «ويسقط الاستقبال». قوله: «في الفرض والنفل» يعني: لا فرق، وسيأتي معنا إن شاء الله: أن النفل يستثنى منه شيء بالدليل، وهكذا الركن والفرض كذلك يستثنى منه شيء بالدليل. وقوله: «وهو ركن من أركان الصلاة»؛ لأن الركن كما تقدم معنا: ما لا يتم الشيء إلا به، وهو من ماهية الشيء، والمصلي مأمور أن يستمر في استقبال القبلة من أول صلاته إلى آخرها، وهذا وصف للركن، هذا وصف للركن، فهو من ماهية الصلاة، ولا تتم الصلاة إلا بها. قال ثانيا: «ويسقط الاستقبال عن المحارب في صلاة الخوف والقتال الشديد، وعن العاجز عنه كالمريض، أو من كان في السفينة أو السيارة أو الطائرة إذا خشي خروج الوقت، وعن من كان يصلي نافلة أو وترا وهو يسير راكبا دابة أو غيرها». ويستحب له إذا أمكن أن يستقبل بها القبلة عند تكبيرة الإحرام، ثم يتجه بها حيث كانت وجهته. هذا استثناء دل عليه الدليل، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قوله وإقراره: أن المحارب في صلاة الخوف -يعني إذا اشتبك القتال- لا يشترط في حقه استقبال القبلة، بل يصلي حيث اقتضى المقام بلسانه أو يومئ برأسه. وهذا إذا خشي خروج الوقت وهو لا يدري أيبقى حيا أو يتوفاه الله سبحانه وتعالى، بخلاف ما إذا لم يحصل الاشتباك، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم -كما هو موضح في كتب الفقه والحديث- صفات أخرى لصلاة الخوف. ومن تلك الصفات: أن يصلي الإمام بكل طائفة ركعتين، بينما تقوم الطائفة الأخرى بالحراسة واستقبال العدو، وإذا كان العدو في جهة القبلة جعلوا الطائفة التي لا تصلي أمام الإمام، والطائفة التي تصلي خلف الإمام. وإذا كان العدو في غير اتجاه القبلة، كانت الطائفة التي تصلي في اتجاه القبلة، والطائفة التي لا تصلي في اتجاه العدو، فإذا بغتهم العدو قاموا جميعا واشتبكوا، وصل كل واحد على الصفة التي أشار إليها. وهل يجوز أن تترك القبلة مع الخوف الشديد؟ الجواب: نعم، ولهذا قال: «والقتال الشديد» -يعني إذا اشتد الخوف وكان العدو شديد القرب من المسلمين- مما يخاف أن يتمكن منهم في حال سجودهم أو ركوعهم، فلا بأس أن يصلوا إلى غير القبلة لهذه الضرورة. وهناك صفات أخرى: حديث ابن عباس وغيره أنها تصلى ركعة كل طائفة تصلي ركعة. قال العلماء: هذا بحسب ما يقتضيه المقام، وتفصيل ذلك في كتب الفقه، لكن المقصود الآن ليس صفة صلاة الخوف، وإنما قضية استقبال القبلة، وأنها قد تسقط بالكلية في شدة القتال وفي الخوف الشديد، سواء وقع الاشتباك أو لم يقع الاشتباك. وقوله: «عن العاجز عنه كالمريض»؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:7]، وهذا لم يؤت ذلك، ما عنده قوة ولا استطاع استقبال القبلة. وقال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:286]، وهذا ليس عنده وسع، استقبال القبلة. وهكذا من كان في السفينة إذا كانت السفينة تتحرك -مثل السفينة التي تكون في وسط الأمواج وتيارات الماء- حتى لو كانت واقفة لا تثبت على جهة واحدة، لمن يعرف البحر يكبر أول مرة إلى القبلة، فإذا بالسفينة تدور، ماذا سيفعل؟ لو دارت تدور مرة أخرى، لو دارت تدور مرة أخرى، يصير طول الوقت وهو يتحرك يدور، فهو إذا عاجز عن استقبال القبلة. لكن إذا استعجل، كبر مثلا قبل أن ترسخ السفينة في جهة التيار الماء أو في اتجاه الهواء، فإذا رسخت توجه إلى جهة القبلة إن كان يستطيع، وإن كان لا يستطيع لضيق السفينة، صلى حيث تيسر. ومثله الطائرة أو السيارة، قد تكون الطائرة ضيقة ليس فيها مكان للصلاة، وهذا الغالب، أو قد يكون هناك مكان لواحد أو اثنين، فإذا استأذن الإنسان ربما أذن له إذا كان واحد أو اثنين، لكن كل من في الطائرة استأذنوا، فيه مشقة وفيه ربكة وفوضى لا يرضى بها القائمون على هذه الطائرة. أو كذلك قد يسع الرجل ما لا يسع المرأة، قد الرجل يتحمل بعض المشاق، لكن المرأة لا تستطيع، فالمهم إذا وجد العجز، صلى الإنسان في مكانه، هذا معنى من معاني العجز. ومثله السيارة إذا عجز أن يوقف -مثل الحافلة الكبيرة- يعجز الإنسان أن ينزل؛ لأنه غريب، يضيع، وليس عنده مال يكفيه، والناس لا يطاوعونه لقلة دينهم أو لعدم وجود الدين، بعض بلاد الكفر، فماذا يسمع هنا؟ عجز، عجز، فإذا عجز صلى مكانه. قال: «إلا فالواجب أن يجتمع -ما دام الجميع أهل إسلام- يوقفون السائل، يقولون له: الصلاة أعظم من الحمام». تجد للأسف بعض الناس: رجل واحد يوقف سيارة كاملة لأجل الحمام، والصلاة لا يبالون يمشون، هذا خطأ عظيم، خصوصا أن يكون في بلاد الإسلام، جريمة لا يجوز السكوت عليها، بل منكر ينبغي ويجب أن ينكر. فإذا عجز صلى على كيفيته، وهكذا كذلك إذا خشي خروج الوقت، إذا خشي خروج الوقت -مثل هو في سيارة أو طائرة أو في سفينة- أو عملت له جراحة، لكن لا يدري هل يصل مع وجود الوقت أو بعد خروج الوقت، فإذا وجدت الخشية فهنا يجوز له أن يصلي على ما هو عليه مع العجز. وهذا يبتل به بعض الناس، مثلا: أنت في الباص، طلقت منه أن يقف، يقول لك: بقي ربع ساعة حتى نصل، مشقة علي أن أقف ثم أرجع الركاب مرة ثانية، صلي إذا وصلت، ثم يكون هناك زحام أو يكون هناك شيء، فترى الوقت كادت الشمس أن تشرق، وهو يقول لك: ربع ساعة، أصبر ربع ساعة، ما يرضى يقف، كيف تفعل؟ تصبر حتى تشرق الشمس؟ لا، صلي في الباص، المحافظة على الوقت أعظم من الصلاة بعد خروج الوقت مع استقبال القبلة. وهذا له أدلته وعمومات تدل عليه، فكما يقول العلماء: الاستثناء معيار العموم، الاستثناء معيار العموم، فكونه وقعت استثناءات كثيرة في استقبال القبلة، يدل على أن ما كان مثله يفعل، واضح الآن كم الاستثناءات؟ كثيرة، في القتال، وفي الصلاة النافلة، وفي حال المريض، وفي غيرها، فهذا يدل على أن ما كان مثله يفعل كذلك، فالشرع لا يفرق بين مجتمع كما لا يجمع بين متفرق. وقوله: «وعن من كان يصلي نافلة أو وترا»؛ وقوله: «نافلة أو وتر»؛ لأن المسافر لا يصلي رواتب إلا راتبة الفجر، واضح، أو الضحى، أو وتر، أما الرواتب الأخرى لا نفل مطلق، ممكن. قوله: «وهو يسير راكبا دابة أو غيرها» -يعني حتى ولو سيارة- ويستحب له إذا أمكن أن يستقبل بها القبلة عند تكبيرة الإحرام، إذا استطاع أن يستقبل القبلة مع تكبيرة الإحرام هذا أحسن، حتى في الفريضة. مثلا لو كان الإنسان في الطائرة ولم يجد مجالا أن يصلي وهو مستقبل القبلة، إذا استطاع أن يكبر وهو مستقبل إلى القبلة، ثم يجلس في كرسيه ويصلي، هذا أحسن، فإن كان لا يستطيع، فيه مشقة أو كلفة أو نحو ذلك، فهنا يكفي أن يكبر إلى أي جهة كانت. وهذا لأنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود، وجاء معنا عن غيره بفعل ذلك. قال رحمه الله تعالى ثالثا: «ويجب على كل من كان مشاهدا للكعبة أن يستقبل عينها، وأما من كان غير مشاهد لها فيستقبل جهتها». وهذا نقل فيه الإجماع، وتدل عليها أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وقد قام الإجماع على ذلك: من كان يشاهد عين الكعبة وجب عليه أن يستقبل عين الكعبة، ومن لم يشاهد عين الكعبة يكفيه أن يتجه إلى جهة الكعبة. بل صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة». وهذا في حق أهل المدينة؛ لأنه قاله عليه الصلاة والسلام أين في المدينة؟ قال العلماء: فما كان مثله فيكون له حكمه، وما لم يكن مثله فيكون له معناه، فمعناه بالنسبة لأهل الجنوب مثله: «ما بين المشرق والمغرب قبلة»، لأن الجهة عكسية، المدينة شمال مكة، فما بين المشرق والمغرب قبلة، ويتجهون إلى أين؟ إلى الجنوب. وأهل الجنوب -مثل اليمن- «ما بين المشرق والمغرب قبلة»، ويتجهون إلى أين؟ إلى الشمال. وأهل الشرق، هل نقول: «ما بين المشرق والمغرب»؟ لا، بل نقول: «ما بين الشمال والجنوب قبلة»، ويتجه إلى الغرب. وأهل الغرب: «ما بين الشمال والجنوب قبلة»، ويتجه إلى الشرق. وهكذا كذلك يقال في الجهات الفرعية: شمال شرق، شمال غرب، جنوب شرق، جنوب غرب، يكون الاتجاه يتحرى قدر المستطاع الاتجاه إلى جهة القبلة، واضح. وهذا مأخوذ من معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وبه يعلم أنه لا يشترط الاتجاه إلى عين الكعبة، وأن الحرص على ذلك من التكلف الذي نهينا عنه، وقد نهانا الله عز وجل عن التكلف في كتابه بقوله عن نبيه ورسوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:86]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التكلف في حديث عمر وحديث سلمان، وكلها حديث صحيحة، بعضها في «الصحيحة». قال رحمه الله تعالى: «حكم الصلاة إلى غير الكعبة خطأ». هذه مسألة مهمة. قال رابعا: «وإن صلى إلى غير القبلة لغيم أو غيره بعد الاجتهاد والتحري جازت صلاته ولا إعادة عليه». وقد صح أن ذلك وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر وغيره، وأشار إليه في الأصل، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أحدا بالإعادة. أدركتهم الصلاة في يوم مغيم، فلم يستطيعوا أن يعرفوا جهة القبلة؛ لأنهم يعرفونها في النهار بالشمس، ويعرفونها بالليل بالنجوم، هذا عند أهل الخبرة، وكان أكثر الناس في ذاك الزمان عندهم خبرة، لكن اليوم الخبرة قليلة، خبرة الناس ضعيفة وقليلة إلا القليل ممن وفق الله. فلما لم يجدوا سبيلا لمعرفة جهة الكعبة، صلى كل طائفة إلى جهة -يعني ممن أدركتهم الصلاة- ثم جعلوا خطا حتى يعرفوا إذا ذهب الغيم أو جاء النهار أين القبلة؟ هل صلوا إلى القبلة أو لا؟ فوجدوا أنهم جميعا أخطأوا القبلة، ما أحد منهم أصاب القبلة، فجاءوا إلى المدينة وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يأمرهم بالإعادة، وأخبرهم أن صلاتهم صحيحة. ومن باب الفائدة: اليوم بفضل الله هناك وسائل حديثة يستطيع الإنسان أن يصطحبها، والمسلم ينبغي أن يحرص على ذلك، يستطيع بها أن يعرف جهة القبلة: جوالات فيها برامج تعطيك جهة القبلة، وساعات في اليد أو في الجيب تستطيع بها أن تعرف جهة القبلة، وأجهزة إحداثيات ما يسمى بالجي بي اس تستطيع بها أن تعرف جهة القبلة. ولو لم يتيسر هذا فهناك وسائل أخرى، فمن خبرة أهل البادية إذا لم يكن نجوم بسبب الغيم ولم يكن شمس بسبب الليل، فيعرفون باتجاه الريح، يعرفون القبلة باتجاه الريح. وما نخرج عن الدرس، لكن أنبهكم فقط من باب التنبيه، فهناك رياح في مواسم معينة يعرفون جهة هذه الريح، فعند ذلك يعرفون جهة القبلة. لابد أن تدرس هذا إذا استطعت من باب الفائدة؛ لأن المؤمن وطالب العلم يحب أن لا تفوته فائدة، وهذا من الفائدة. كذلك اتجاه الرمل، اتجاه الرمل تعرف به جهة القبلة، وهذه استفدناها من أبي حميد، جزاه الله خيرا، نرحل معه في البادية، فاستفدنا منه كثيرا، استفدنا منه كيف نعرف القبلة؟ الريح، اتجاه الهواء، إذا كنا في جهة البحر غير إذا كنا في جهة نجد، هنا مثلا في بلاد اليمن يفصل بين بحر ونجد جبال حضرموت، فالهوى هناك يختلف عن الهوى في الساحل. واتجاه الرمل في الساحل غير اتجاه الرمل في الداخل، كذلك باتجاه الرمل، أنتم تعرفون فوق الرمل مثل الموج، هذا اتجاه ما يتغير، نظام، سبحان الله، مثل القانون ما يتغير، تعرف به الاتجاه، ولهذا أصحاب البادية إذا ضاعوا يعرفون الاتجاه بجهة الرمل، بجهة الرمل يعرف أنه متجه إلى الجنوب أو متجه إلى الشمال، متجه إلى الشرق أو متجه إلى الغرب. ومن عرف هذه الجهات عرف أين القبلة، أليس كذلك؟ فهذه من الفائدة. قال رحمه الله تعالى خامسا: «وإذا جاء من يثق به وهو يصلي فأخبره بجهتها، فعليه أن يبادر إلى استقبالها، وصالته صحيحة؛ لأن هذا هو الواجب، وما فات من الخطأ لا يضر، إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». وهذا من الخطأ المعفو، وهذا من الخطأ المعفو. نقف لهنا ونكمل إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم. كيف يصنع الذي في الحافلة ويخشى خروج الوقت وهو ليس على طهارة؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة، من أهل العلم من قال: يصلي ولو بالتيمم، ومن أهل العلم من قال: بل ينتظر، بل ينتظر حتى يجد الماء ويصلي. والصحيح بهذا التفصيل: فإذا كان الماء معه ولكنه لا يستطيع استعماله، أو كذلك ليس معه الماء، فحكمه حكم عادم الماء، فعند ذلك يتيمم، فمن كان منكم مريضا أو على سفر، فمن لم يجد الماء حكمه حكم فاقد الماء، ومن وجد الماء ولم يستطع استعماله فهو كذلك، ومن كان يستطيع استعماله لكن يمنعه من ذلك مانع، فهنا يؤجل الصلاة، جمعا بين الأدلة. فحديث غزوة الخندق وتأخير الصلاة لأجل الطهارة؛ لأن الماء موجود، لأن الماء موجود، وأما إذا الماء غير موجود، فيأتي بالتيمم. نعم، الله أعلم. إذا صلى في الحافلة على مرتبته، هل عليه إعادة بعد دخول الوقت؟ هكذا السؤال. لا، ليس عليه؛ لأنه صلى صلاة صحيحة بهذا الوصف. ويقول: وإذا لم تكن على طهارة -كما تقدم- إن كان لا يوجد عنده ماء فيتيمم. طيب. ننظر الذي يتعلق بالدرس خصوصا، يقول: ما قولكم في من يقول: اجعل الشمس في جهة خدك الأيسر في اليمن في صلاة العصر، وصلي إذا لم تعرف القبلة؟ ومن يصلي إلى غروب الشمس؟ هذا ليس في كل جهات اليمن، إنما في الجهة الشرقية ممكن، وفي بعض المواسم ليس بكل حال؛ لأننا في هذه الجهة نعتبر في جهة جنوب شرق، في جهة جنوب شرق، فإذا يكون ميلان إلى جهة شمال غرب، نكون عندنا ميلان إلى جهة شمال غرب، ولا تكون الصلاة إلى جهة الغروب، لا تكون الصلاة إلى جهة الغرب؛ لأن جهة الغروب هي جهة الغرب. فإذا كان كذلك فهناك خطأ كما لا يخفى، أن هناك مشارق ومغارب بحسب أيام السنة تختلف، أيام الصيف غير أيام الشتاء، وأيام الخريف غير أيام الربيع، وهكذا. نعم. الأصل أنها في السفر هذا بالنسبة للاختيار، في الاختيار هي للسفر، وأما للإضطرار فهذا في السفر وفي غير السفر، لا، النافلة مع الاختيار في السفر فقط، لكن إذا حصل إضطرارا -مثلا كان في طريق- خشي أن يفوت وقت النافلة، هل يجوز أن يصلي على الراحلة؟ يجوز، بعض العلماء قال: يجوز إذا خشي فوات الوقت أو ينساها أو لا يستطيعها، فهذا من الاضطرار. وأما في غير الاضطرار في الاختيار فهي في السفر فقط، ما يجوز في الحضر أن يصلي النافلة على الصحيح، وفي المسألة خلاف على الراحلة. نعم.