الرفق في الدعوة

المحاضرة بعنوان الرفق في الدعوة، كلمة عبر الهاتف إلى مسجد الحبش بالديس الشرقية مشاركة في اجتماع أهل السنة بساحل حضرموت 5 شوال لعام 1438هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة وتوطئة في أهمية لزوم الكتاب والسنة

الخطيب يحمد الله على نعمة الإسلام ويشيد باجتماع أهل السنة على كتاب الله وسنة رسوله. يؤكد أهمية لزوم غرز الكتاب والسنة والرفق في الدعوة.

الرفق في الإسلام وأثره على حياة المسلم

يؤكد على أهمية الرفق في الإسلام مستشهدًا بحديث نبوي وأقوال ابن القيم. يشدد على ضرورة الرفق في جميع تعاملات المسلم.

أهمية الرفق في مواجهة الفتن والمحن والدعوة

يؤكد على أهمية الرفق في مواجهة الفتن والمحن مستشهدًا بالقرآن والسنة. يشدد على اتباع الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة إلى الله.

الدعاء والختام للجمع

يتضمن دعاء لله تعالى أن يستجيب لدعاء الحاضرين والسامعين ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه. يشكر الحضور على الاستماع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فأحمد الله سبحانه وتعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. أحمده سبحانه وتعالى الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، وأخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء عليه بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك عظيم ما أنعم الله عز وجل به علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كما أحمده سبحانه الذي يسر لنا في مثل هذا اليوم، الخامس من شوال لسنة 1438 من الهجرة، هذا الاجتماع لأهل السنة والجماعة في ساحل حضرموت، في مدينة الديس الشرقية، اجتماع على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يجتمع فيه الدعاة وطلبة العلم في بيت من بيوت الله، يدعون أنفسهم ومن يحضر من يسمع لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعوة من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. يهذبون أنفسهم ومن يحضر، ومن يسمع بهذه الآداب التي دعت إليها نصوص الكتاب والسنة، يذكرون أنفسهم ومن معهم بهذه الثوابت العظيمة التي جاءت بها هذه الدعوة المباركة، دعوة أهل السنة والجماعة. وما أحوجنا في مثل هذا الزمان، خصوصًا والفتن تموج من حولنا موج البحار، تموج موجًا عظيمًا عن يميننا وعن شمالنا. وبفضل الله سبحانه وتعالى، أهل هذه الدعوة المباركة موفقون، موفقون مسلمون بتوفيق الله عز وجل وتسليمه. وذلك أنهم موفقون للعمل بما في كتاب الله وما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم دائمًا وأبدًا يدورون مع الدليل كيف دار، عرفوا بثوابت هذا الدين وأولوياته، ترتيب المهمات الأهم فالأهم، عرفوا بتوابت هذا الدين وما جاء به، كيف يراعون بين المصالح والمفاسد. عرفوا بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم، ومن تبعهم بإحسان من أئمة الهدى ومصابيح الدجى، كيف يتعاملون مع الفتن إقبالًا وإحجامًا. وهذا من توفيق الله سبحانه وتعالى. وأنا أذكر نفسي وإخواني وآبائي وأبنائي بأهمية لزوم غرز الكتاب والسنة، والسير بسير علمائها وأئمتها سلفًا وخلفًا، فإنه من أعظم نعم الله عز وجل على أهل هذه الدعوة المباركة. وأننا دائمًا وأبدًا نتواصى بلزوم غرز الكتاب والسنة، ونمرر ذلك على قلوبنا وعلى أسماعنا وأبصارنا وسائر جوارحنا، وعلى مواقفنا إقبالًا وإحجامًا. وأن من أعظم ما ينبغي أن نحرص عليه بعد ذلك الرفق والحكمة في دعوتنا، وفي سائر شؤون حياتنا. ولا يخفى عليكم حديث عائشة العظيم الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». وفي الرواية الأخرى: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف». نرفق بأنفسنا وبدعوتنا وبسائر معاملاتنا، مع أنفسنا مع آبائنا وأمهاتنا، مع زوجاتنا مع أبنائنا، مع سائر أهلينا وذوي قرابتنا، بل وكذلك في دعوتنا وفي كل صغير وكبير. وأذكر نفسي وإياكم بتلك المقولة العظيمة التي قالها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه العظيم النافع الماتع «الوابل الصيب»: «من رفق بعباد الله رفق الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد الله عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفة عامله الله بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة». فالله تعالى لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه. الله أكبر، مقولة عظيمة، تصور لك كالشريط يمر بين عينيك حال الكثير من الناس في حياتهم اليومية، وأن الله عز وجل حكم عدل، الخير بالخير وضده بضده. فالله الله في ملازمة هذا الثابت، وهذا الأصل الذي هو سبب ومفتاح كل خير، وسبب ومغلاق كل شر، أن نلزم الرفق، وأن نحرص على الرفق، ونجتهد أن لا تلعب بنا العواطف، ولا تدفعنا الحماسات إلى الطيش، سواء بلسان الحال أو بلسان المقال. وأن نلزم الهدوء والرفق والسكينة الذي به يحصل الخير الكثير، وهو توفيق يوفق الله عز وجل به من شاء من خلقه. فقد روى الترمذي والبيهقي عن النبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحسنه بعض أهل العلم أنه قال: «من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق حرم حظه من الخير». فتأمل في مثل هذا وغيره كثير مما يدلك على حال كثير من الناس، كيف حين حرموا وحرموا أنفسهم هذا الأصل حرموا الخير الكثير في حياتهم وفي دعوتهم وفي مواقفهم. والموفق من وفقه الله. وليس معنى الرفق أننا نكون دائمًا وأبدًا من الخاملين لا، ولكن الرفق هو عين الحكمة، أن يوضع كل شيء في موضعه إقبالًا وإحجامًا، ولكنه مع التأني العظيم الذي يعين المسلم على إصلاح أمره في العاجل والآجل، وفي صغير الأمور وكبيرها، أن يكون هينًا لينًا مع قوته العلمية والعملية، مع شجاعته مع صراحته. ولكن ليس كل ما يعلم يقال، وليس كل قوي يستخدم قوته بتحطيم كل شيء، ولا يلزم أن يظهر تلك القوة أو يستعملها، ولكنه يضع الشيء في موضعه الذي يكون به كماله وتمامه، بحسب ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة. ويلازم الهدوء والسكينة والتأني والرفق والحكمة في تصور الأمور أولًا تصورًا صحيحًا بميزان الكتاب والسنة، ثم في الدخول فيه وعدمه، ثم بعد الدخول فيه في التعامل معه إقبالًا وإحجامًا، موافقة ومخالفة كذلك بميزان الكتاب والسنة، وبما كان عليه العلماء وأئمة من علماء الكتاب والسنة الذين وفقهم الله عز وجل، فكانت في مواقفهم الخير الكثير. يمر بين عينيك الشريط، تلك المواقف العظيمة التي وقفها العلماء وأئمة في مواقف الفتن والمحن، كانت مواقف موفقة بتوفيق الله عز وجل لهم، وبلزومهم لوازم وثوابت الدين مما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وباقتفاء سير السلف الصالحين ومن تبعهم بإحسان، مع مراعاة هذا الأصل العظيم. ورحم الله أبا حاتم إذ يقول: «الواجب على العاقل لزوم الرفق في الأمور كلها، وترك العجل والخفة فيها، إذا الله تعالى يحب الرفق في الأمور كلها، ومن منع الرفق منع الخير، كما أن من أعطي الرفق أعطي الخير». ولا يكاد المرء يتمكن من بغيته في سلوك قصده في شيء من الأشياء على حسب الذي يحب إلا بمقارنة الرفق ومفارقة العجلة. وصدق رحمه الله، ما أكثر الأمور التي وفق العبد لها بملازمته ومقارنته للرفق، وما أكثر الأمور التي يحرمها بسبب عجلته. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن». فالله الله، آبائي وأبنائي وإخواني، في مراعاة هذا الأصل العظيم، وغيره مما دعا إليه في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولنعظ ونعتبر بسيرة حبيبنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الذي قال الله عز وجل عنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. وما أكثر تلك المواقف العظيمة في سيرته عليه الصلاة والسلام التي تدل على أهمية مراعاة هذا الأصل في دعوة الدعاة إلى الله ومواقفهم، خصوصًا في وقت الفتن. والموفق من وفقه الله عز وجل. ولهذا كان من أصول وثوابت الدعوة إلى الله الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، كما قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. ولما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، قال لهما: «بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا». وفي رواية: «بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا». والحديث في الصحيحين. بل الله عز وجل لما أرسل موسى عليه الصلاة والسلام وهارون إلى الطاغية فرعون، ماذا قال لهما؟ قال سبحانه: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. فالله الله، إخواني وأحبائي، في لزوم هذا الأصل في كل شيء، حتى في معاملتنا مع أهلنا. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا وإياكم مفاتيح خير مغالق شر، وأن يدفع عنا وعن المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يوفقنا ويوفق بنا إلى ما فيه الخير للعباد والبلاد، وأن يجعل أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية، يعز فيه أهل السنة ويذل فيه أهل البدعة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يستجيب دعاءنا في هذا اليوم، ونجعلنا وإياكم ومن حضر ومن سمع ممن عصمه ووفقه، واجعله مفتاح خير مغلاق شر. اللهم آمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وجزاكم الله خيرًا.