الدرس في كتاب الجهاد 20، الدرس العشرون:(الحديث السابع عشر بعد الأربعمائة:عن أبي موسى رضي الله عنه ... كما قال صلى الله عليه وسلم:من قتل دون ماله فهو شهيد ..إلخ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يبين حقيقة الجهاد في سبيل الله وأهمية تصحيح النية. الجهاد يكون في سبيل الله إذا كانت النية خالصة لله تعالى.
النية هي أساس صلاح الأعمال وفسادها، حيث إن الأعمال بالنيات. النية الصالحة تجعل العمل في سبيل الله بينما النية الفاسدة تحرمه من الأجر.
النية الصحيحة في الجهاد تتطلب إعلاء كلمة الله، ويمكن أن تقترن بأهداف ثانوية مثل حفظ الأوطان. كما أن الشهادة تتطلب نية خالصة ولا يمكن الجزم بأن شخصًا ما شهيد.
لا يجوز الجزم بأن شخصًا ما شهيد، بل يُقال نرجو أن يكون شهيدًا. هذه العقيدة تتماشى مع منهج أهل السنة والجماعة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: الحديث السابع عشر بعد الأربعمائة، قال عن أبي موسى، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله عز وجل». أورد المؤلف الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث، وختم به هذا الكتاب: كتاب الجهاد، وهو من أحاديث الصحيحين في الأحكام فيما يتعلق بأحكام كتاب الجهاد. وهذا الحديث بهذا اللفظ أخرجه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير وإسحاق ومحمد بن العلاء، قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخرون: حدثنا، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن أبي موسى، فذكر الحديث بلفظه. وفي رواية للبخاري: قال: «يقتلوا للغنيمة»، أو قال: «المغنم». وفي لفظ لمسلم: «ويقاتلوا غضبًا». ففيه زيادة هذه المقاصد في القتال في كل ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله». قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل أعداء الدين، ولكن الحامل له على القتال هو إظهار الشجاعة والإقدام أمام الناس، ويقاتل الآخر حمية لقومه أو لوطنه، ويقاتل الرجل رياء أمام أنظار الناس أنه من المجاهدين في سبيل الله المستحقين للثناء والتعظيم، فأي هؤلاء الذي في سبيل الله قتاله؟ فأجاب صلى الله عليه وسلم بأوجز عبارة وأجمع معنى، وهي أن من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو الذي في سبيل الله، وما عدا هذا فليس في سبيل الله؛ لأنه قاتل لغرض آخر. ومن فقه المؤلف رحمه الله ختم هذا الكتاب بهذا الحديث؛ لأجل تصحيح النية الذي هو من أعظم الأعمال التي يحتاجها هذا العمل الصالح، وهو الجهاد في سبيل الله. ولما كانت هناك مقاصد وأغراض قد تختلط بالنية الصالحة في هذا العمل، كانت تنبيهًا بهذا الحديث، بل كان ورود هذا الحديث والسؤال عن هذا العمل، فإذا كان هذا بزمن النبي صلى الله عليه وسلم فكيف بزمننا هذا؟ وقد ضعف إيمان ودين الناس إلا القليل ممن رحم الله، فإنه أولى وأحرى أن يعتنى بتصحيح النية في مثل هذا العمل. قال رحمه الله: والأعمال مترتبة على النيات في صلاحها وفسادها، وهذا عام في جميع الأعمال، فالأثر فيها للنية صلاحًا وفسادًا، وأدلة هذا المعنى كثيرة، ولا يخفى حديث النبي عليه الصلاة والسلام: حديث عمر المشهور في الصحيحين: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». قال رحمه الله: ما يستفاد من الحديث: أولًا: أن الأصل في صلاح الأعمال وفسادها النية، فهي مدار ذلك، وهذا ما يفهم من هذا الحديث، ولهذا ذكرت هذه النيات، وأجاب النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله»، أي: هذه نيته، وهذا قصده. الثاني: لذا فإن من قاتل الكفار لقصد الرياء أو الحمية أو لإظهار الشجاعة أو لغير ذلك من مقاصد دنيوية فليس في سبيل الله تعالى، ولو كان بعضها قد يؤجر فيها الإنسان، لكن لا ينال أجر المقاتل في سبيل الله. مثل لو قاتل شجاعة في نصرة أهله وقومه ووطنه، فهو لا يريد ثناء الشجاعة، ولكن يريد الدفاع عن هذه الحرمات، هذا مقصد حسن، لكن لا يصل به إلى أن يكون جهادًا في سبيل الله؛ لأن نيته اقتصرت على هذا المعنى. ولكن لو كان لأجل أن تكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وتضمن تبعًا حماية الوطن، وحماية كذلك الأهل والولد والمال وغير ذلك، فهنا صار في سبيل الله. الثالث: أن الذي قتاله في سبيل الله، ومن قاتل لإعلاء كلمة الله تعالى، وفيه دليل على أهمية هذه النية، ولهذا فإن الجهاد في سبيل الله من الأعمال التي لا يستغني عنها أهل الإسلام، فلا يحفظ بها الدين فحسب، بل يحفظ بها حرمات المسلمين من أوطانهم، وكذلك أموالهم وأعراضهم وغير ذلك من حرمات. فهؤلاء الذين ينادون بطمس هذه الفريضة في الحقيقة ينادون لطمس هويتهم من الوجود، وينادون إلى ما فيه الهوان والذل والضعف؛ لأن أمة لا تنادي بحفظ حرماتها ونصرة دينها أمة ممقوتة ممسوخة. فالكفار على ما هم عليه يدعون إلى إبقاء هويتهم والدفاع عن حرماتهم ودينهم الباطل، فكيف لا يحفظ المسلمون ذلك وهم أولى بالحق؟ ولكن هذا إنما يأتي عند من جهل الدين أو كان عنده شيء من النفاق، وكل الطائفتين من أبعد الناس عن دين الله عز وجل. الرابع: إذا انضم إلى قصد إعلاء كلمة الله قصد المغنم فهو يكون في سبيل الله، قال الطبري: لا يضر، وبذا قال الجمهور، ما دام قصد المغنم قد جاء ضمن النية الصالحة الأولى. وهذا جار في جميع أعمال القرب، يعني من القربات والعبادات. قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: التجارة في سفر الحج. والصحابة رضي الله عنهم خرجوا يوم بدر، ورغبتهم في عير قريش، يعني: ما كانوا يريدون القتال، قالوا: «وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم»، ومع ذلك لم ينافي القتال، فلما قاتلوا وحصل لهم المقصود لم ينافي ذلك هذه النية. وهذا كما تقدم، سبق الإشارة إليه، مشروط أن يكون تبعًا، أن يكون هذا المأذون فيه تبعًا لأصل النية الصحيحة، فالأصل لإعلاء كلمة الله، ولا مانع أن يكون تبعًا الغنيمة، الأصل الحج، ولا مانع أن يكون تبعًا التجارة في الحج، وهكذا. كذلك يقال في كل عمل صالح حصل فيه تشريك، فالتشريك المأذون فيه هو التشريك الذي لا ينافي أصل العمل، بل هو تابع له. قال رحمه الله: وكذلك يقال هنا بالنسبة لما سبق من المدافع عن الحرمات وغيرها، قال: قاتلًا مدافعة الأعداء عن الأوطان والحرمات من القتال المقدس، ومن قتل فيه فهو شهيد، كما قال صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون ماله فهو شهيد». لكن هل هذه الشهادة هي الشهادة المقصودة في الجهاد في سبيل الله؟ الجواب: لا، بل هي دونها. ولهذا من خرج يقاتل الكفار فإنه ينبغي أن يخلص نيته بأن تكون كلمة الله العليا، ولا مانع أن يكون تبعًا حفظ الأوطان والحرمات، حفظ الأوطان والحرمات فهو يعني مما حث عليه الشرع، لكنه تبع، لا يكن خروجك لأجل هذا القصد فحسب، بل أنت تتعبد لله بعبادة جليلة عظيمة هي ذروة سنام هذا الدين، وهو الجهاد في سبيل الله. فلذلك أنت تقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وبهذا صار الجهاد ذروة سنام هذا الدين، ثم بعد ذلك إن دخل تبعًا ما لا ينافيه من الأعمال الصالحة المأذون فيها، واجبة أو مستحبة أو مباحة، فهذا لا يضر. وكذلك مما يؤخذ من هذا الحديث: أننا لا نعلم من قتل في سبيل الله، فإذا كان الناس يقاتلون بهذه النيات، فما أدرانا أن هذا قتل في سبيل الله؟ فلا يجوز أن يقال: فلان شهيد. ولهذا الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه بابًا، قال: باب لا يقال فلان شهيد، ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفيه قوله عليه الصلاة والسلام: «والله أعلم بمن قتل في سبيله أو من يجاهد في سبيله». والله أعلم بمن يكلم في سبيله. وذكر فيه حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه، وفيه قصة الرجل الذي قتل نفسه، وكان قد أثنى عليه بعض الصحابة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هو في النار»، فتعجبوا، فلما تتبعوا أمره وقتل نفسه، علم الصحابة معنى ما قال عليه الصلاة والسلام: أنه رسول الله حقًا وصدقًا، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «أشهد أني رسول الله»؛ لأنه دلالة وعلامة من علامات ودلائل النبوة تحقق ما أعلمه الله بما رأى. أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بما أخبر بما أعلمه الله أن هذا الرجل من أهل النار، مع أنه يرى كما يرى غيره من المسلمين أنه من أشد الناس قتالًا، لكن لأن الله يعلم ما يفيض إليه حال هذا الإنسان، فقتل نفسه، وكان بهذا قوله عليه الصلاة والسلام: «أشهد أني رسول الله»؛ لأنه تحقق ما كان محل تعجب في قوله عليه الصلاة والسلام. والشاهد من هذا: لا يجوز أن يقال: فلان شهيد، بل نقول: نرجو أن يكون شهيدًا، نسأل الله أن يتقبله ويجعله شهيدًا، ونحو ذلك. نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء، فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة. فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، واستغفر الله العظيم.